أساس شكر نعم الله تعالى

اذهب الى الأسفل

أساس شكر نعم الله تعالى

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 8:42 pm


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات



موضوع الأسبوع - ذكر الله تعالى
أساس شكر نعم الله تعالى
الشكر ينبغي أن يكون على أسس ثلاثة: ن يحبس نفسه عن السخط، وأن يحبس لسانه عن الشكوى، وأن يحبس جوارحه عن المعصية - متابعة القراءة
ذكر الله شحنة روحانية
الذِّكْرُ هو الشّحنة الروحيّة التي هي قِوامُ كلِّ عملٍ صالحٍ، فهو أفضلُ شيءٍ لأنّه أساسُ كلّ شيء، ولأنّه سببُ كلّ عملٍ صالح تتقرَّبُ به إلى الله عز وجل - متابعة القراءة
فوائد الذكر
أول فوائد الذِكر أنه يطرد الشيطان ويَقْمَعُه ويكسره، وقد وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ خنَّاس، لمجرَّد أن تذكر الله عزَّ وجل يَخْنُسُ ويتلاشى، معك سلاحٌ فعَّال، معك سلاحٌ لا يكلِّفك إلا أنه تكون مع الله - متابعة القراءة
موت القلب أخطر شيء في حياة الإنسان
القلب حينما يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، ويحبُّه، ويشتاق إلى لقائه، وينيبُ إليه، ويؤثر ذلك على كل شهوة، هذا القلب معنى ذلك أنه حي، وهو كامل، وقد يموت القلب، وموت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان؛ لا يعي على خير، ولا يتألَّم لقبيحٍ صَدَرَ منه، ولا يندم على جهلٍ حلَّ به - متابعة القراءة
جديد الموقع
١- ليلة القدر - معرفة الله
٢- الافتقار إلى الله
٣- سبب القنوط واليأس والإحباط من تتالي الأزمات والنكسات وتأخر النصر على العالم الإسلامي

الإيمان هو الخلق
١- العلاقة بين طول العمر وصلة الرحم
٢- إدارة الوقت في الإسلام
٣- أسباب الشقاق الزوجي
٤- الأسلوب الفعال في تربية الأولاد أن تكون لهم قدوة


انطلاقاً من قوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى } ومن إيماننا العميق بأهمية التواصل مع مشتركي نشرتنا الأكارم ولتحقيق الأفضل وتطوير العمل بشكل مستمر يمكنكم ارسال اقتراحاتكم وملاحظاتكم عبر صفحة تواصل معنا في موقع موسوعة النابلسي

avatar
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أساس شكر نعم الله تعالى

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 8:46 pm


أيها الأخوة الكرام، شيء يحير، ما الموضوع الذي ينبغي أن أبدأ به أول خطبة حرة بعد شهر الصيام؟
أيها الأخوة الكرام: لا يخلو المؤمن من أحوال ثلاثة، لعله في نعمة من الله عز وجل، ينبغي أن يشكر، وإذا كان في ابتلاء من الله عز وجل ينبغي أن يصبر، وإذا كان في ذنب أو تقصير ينبغي أن يستغفر، فإذا كانت أحواله هذه فهو من أسعد الناس، يشكر عند الرخاء، ويصبر عند الابتلاء، ويستغفر عند التقصير أو الذنب.
أيها الأخوة الكرام، نعم الله تترادف على الإنسان، فإذا أراد أن تثبت، إن أراد أن يقيدها عليه أن يشكر، إن أراد أن يحفظها عليه أن يشكر، إن أراد أن يزداد منها عليه أن يشكر.
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم: 7 ]
والشكر في أصله أن تعزو النعمة إلى الله عز وجل، أن ترى المنعم من خلال النعمة، لا أن تقف عند النعمة، الإنسان بين أحول ثلاثة إن كان في نعمة فعليه أن يشكر، إن شكر قيد هذه النعمة، وإن شكر زادت عليه هذه النعمة:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم: 7 ]
شكر الله يقوم على أسس ثلاثة :
أيها الأخوة الكرام، لكن هذا الشكر ينبغي أن يكون على أسس ثلاثة، أولاً: أن يعترف بها باطناً ويتحدث بها ظاهراً، وأن يصرفها في مرضاة الله عز وجل، فأية نعمة صرفت في وجه لا يرضي الله هذا نوع من كفرها، كفر النعمة أن تنفقها فيما لا يرضي الله عز وجل، والمؤمن لعله في حالة أخرى، لعله في محنة من الله عز وجل، ابتلاه بها، فالمؤمن حيال هذه المحنة التي ابتلاه الله بها ينبغي أن يصبر، ومعنى الصبر أن يحبس نفسه عن السخط، وأن يحبس لسانه عن الشكوى، وأن يحبس جوارحه عن المعصية، كاللطم، وشقّ الثياب، ونحو ذلك، فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، أن يحبس نفسه عن السخط، وأن يحبس لسانه عن الشكوى، وأن يحبس جوارحه عن المعصية.
أيها الأخوة الكرام، فإذا قام العبد بما ينبغي حيال هذه المحنة انقلبت في حقه منحة، فالمحنة في الصبر تصبح منحاً، لذلك قالوا: ما من محنة إلا وراءها منحة وما من شدِّة إلا وراءها شدَّة إلى الله عز وجل، الشر المطلق لا وجود له في الكون، إنه يتناقض مع وجود الله.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[ سورة آل عمران: 26 ]
لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :
أيها الأخوة الكرام، إن كان في نعمة عليه أن يشكر، عليه أن يعترف بها باطناً، وأن يذكرها بلسانه ظاهراً، وأن يصرفها في طاعة الله تطبيقاً، وإن كان في محنة، عليه أن يحبس نفسه عن سوء الظن بالله عز وجل، وعليه أن يحبس لسانه عن الشكوى، وعليه أن يحبس جوارحه عن أن ترتكب معصية حيال هذه المحنة، إن فعل ذلك أصبحت الشدة شدة إليه، وأصبحت المحن منحًا من الله عز وجل، ما لك يا بنية؟ قالت: حمى لعنها الله، قال عليه الصلاة والسلام: لا تلعنيها، فو الذي نفسه محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب.
أيها الأخوة الكرام، فالحالات الثلاث إن كان في ذنب، أو إن كان في تقصير، فالمؤمن ليس معصوماً، لكن قد يقع في مخالفة بسيطة ينبغي ألا يصر عليها، فإذا أصرّ على الصغيرة، انقلبت إلى كبيرة، فقد ورد أنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
[ سورة نوح: 10 ـ 12 ]
اعلم علم اليقين أنك في مأمنين، وفي بحبوحتين، وفي سلامتين، مأمن طاعة الله.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[ سورة النساء: 147 ]
ومأمن الاستغفار، لو زلت القدم، لو انحرفت المسيرة، لو تاه الإنسان، عليه أن يستغفر، فإذا استقام فهو في بحبوحة السلامة، وإذا زلت قدمه فهو في بحبوحة الاستغفار، فإن أذنب ولم يعبأ ولم يستغفر فلينتظر تأديب الله عز وجل.
ذكر الله ينقذ الإنسان من وساوس الشيطان :
أيها الأخوة الكرام، الشيء الذي ينبغي أن يفعله الإنسان في أكثر أوقاته هو ذكر الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام.
((آمركم أن تذكروا الله تعالى ))
[ الترمذي عن زيد بن سلام]
فالعبد لا ينقذ نفسه من الشيطان إلا بذكر الله، فلو لم يكن بالذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد ألا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، فإنه لا يحرز أي لا ينقذ نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، بالذكر تحصن من الشيطان، وبالغفلة يخترق الشيطان الإنسان، وإذا ذكر العبد ربه يخنس الشيطان، يخنس عدو الله، يتصاغر وينقمع، لهذا سمي الوسواس الخناس، معنى خناس: لمجرد أن تذكر الله عز وجل يخنس، ويتراجع، وينمحق.
يقول ابن عباس رحمه الله تعالى ورضي عنه: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس.
وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((ما عمل أدمي عملاً قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل))
[ أحمد عن معاذ بن جبل ]
وقال معاذ: قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((ألا أخبركم بخير أعمالكم - دققوا في هذا الحديث - وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوهم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: ذكر الله عز وجل ))
[مالك والترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[ سورة العنكبوت: 45 ]
أي أكبر ما فيها، لقول الله عز وجل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[ سورة طه: 14]
وحينما قال الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[ سورة الأحزاب: 41]
قال علماء التفسير: الأمر هنا ينصب على الذكر الكثير، لأن المنافقين يذكرون الله، ولكن لا يذكرون الله إلا قليلاً، العبرة بالذكر الكثير.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
[ سورة الأحزاب: 41-42]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:
((ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة))
[ مسلم عن أبي هريرة]
ذكر الله يشحذ الهمة و يقوي العزيمة :
أيها الأخوة، دققوا في حياتكم، في لقاءاتكم، في اجتماعاتكم، في ولائمكم، واحتفالاتكم، في ندواتكم، في سفركم، في حضركم، دققوا، الحديث حول ماذا؟
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[ سورة الرعد: 28]
لو ذكرت الله عز وجل- وهذه كلمة واسعة جداً- إذا شرحت لهم آيةً فهذا من ذكر الله، إن شرحت حديثاً صحيحاً شريفاً فهذا من ذكر الله، إن رويت قصة صحابي جليل فهذا من ذكر الله، إن بينت حكماً فقهياً فهذا من ذكر الله، إن شرحت آية كونية فهذا من ذكر الله، أي موضوع يقربك إلى الله عز وجل فهذا من ذكر الله، فما من قوم يجلسون مجلساً لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار، الدنيا تفرق وذكر الله يجمع، الدنيا توحش، وقد لا تجد خبراً ساراً، وقد لا تجد خبراً مريحاً، المسلمون في محنة اليوم، فإذا ذكرت الله عز وجل شحذت الهمة، وقوي العزم، وانعقد الأمل بالله عز وجل.
وفي رواية الترمذي:
(( ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم))
[الترمذي عن أبي هريرة]
ولابد من وقفة قليلة عند: يصلوا على نبيهم، لم يذكروا فضل هذا النبي، لم يذكروا سنة هذا النبي، لم يذكروا أفعال هذا النبي، لم يذكروا شمائل هذا النبي، أم لم يعرفوا رسولهم.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
[ سورة سبأ: 46 ]
(( ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرةً، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم))
[الترمذي عن أبي هريرة]
شكر النعمة و الاستغفار عند الذنوب :
موضوع واحد، التمهيد إن كنت في نعمة فاشكر، وشكر النعمة أن تعزوها إلى المنعم، وأن يلهج لسانك بها، وأن تصرفها في طاعة الله، وإن كنت في محنة لا سمح الله فاصبر، وأركان الصبر أن تحجب نفسك عن سوء الظن بالله، وأن تمنع لسانك عن الشكوى:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[ سورة يوسف : 86]
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. وأن تستغفر الله عز وجل فعندئذٍ تنقلب المحنة منحة، وأما في الذنب فأنت في بحبوحتين، إن كنت في طاعة لله فأنت في بحبوحة الحفظ، وإن زلت القدم لا سمح الله أو قصر الإنسان فهو في بحبوحة الاستغفار هذه مقدمة لكن موضوع الخطبة هو ذكر الله تعالى.
وفي صحيح مسلم، عن الأغر بن أبي مسلم قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لا يقعد قوم يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده - دققوا في لقاء بسيط فيه ذكر الله عز وجل، ففي ذكر الله ترتاح النفوس، تطمئن القلوب، يمتلئ القلب أملاً بالله عز وجل، يمتلئ القلب محبة لله عز وجل، وقد بينت قبل قليل، أن هذا التوجيه واسع جداً أية حقيقة عرضتها، أو استمعت إليها تقربك إلى الله عز وجل فهذا من ذكر الله عز وجل - إلا حفتهم الملائكة- ألهمتك الملائكة رشدك، وهذا من فضل الله عز وجل- وغشيتهم الرحمة - والرحمة حدث عنها ولا حرج، مطلق عطاء الله، راحة القلب رحمة، طمأنينة القلب رحمة، الثقة بالله رحمة، الثقة بالمستقبل رحمة، الطمع في الجنة رحمة، الصحة رحمة، الأولاد الأبرار رحمة، الزوجة الصالحة رحمة، الرزق الوفير رحمة، السمعة الطيبة رحمة، مطلق عطاء الله، تغطي الجوانب المادية، والمعنوية، والنفسية والاجتماعية، والعاجلة، والآجلة - وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة - هذه السكينة من وصل إليها وصل إلى كل شيء، ولو فقد كل شيء، ومن خسرها خسر كل شيء ولو كان معه كل شيء- حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده))
[ مسلم عن الأغر بن أبي مسلم]
وقد جاء صحابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله إن أبواب الخير كثيرة، ولا أستطيع القيام بها كلها، فأخبرني بما شئت أتشبث به ولا تكثر عليّ فأنسى؟ وفي رواية إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، وأنا كبرت، فأخبرني بشيء أتشبث به فقال عليه الصلاة والسلام:
((لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ))
[جامع العلوم والحكم عن عبد الله بن بسر]
وفي الترمذي أيضاً عن أبي سعيد أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل:
(( أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيراً، قيل: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله ؟- أي الذاكر ذكراً كثيراً أفضل من الغازي في سبيل الله ؟- قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر، ويختضب دماً لكان الذاكرون لله تعالى أفضل منه درجة))
[الترمذي عن أبي سعيد]
حياة القلوب تقوم على ذكر الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الذكر، وهذا الموضوع أليق الموضوعات أن يكون بعد رمضان، أن تكثر من ذكر الله بعد رمضان، أن تجعل الشهور كلها رمضان، أن تحافظ على مكتسبات رمضان، أن تحافظ على تلاوة القرآن، أن تحافظ على غض البصر وحفظ اللسان، أن تحافظ على إنفاق المال، هذه المكتسبات التي كانت في رمضان ينبغي أن تنسحب إلى ما بعد رمضان حتى تلقى الواحد الديان.
يا أيها الأخوة الكرام، في صحيح البخاري عن أبي موسى عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ))
[ البخاري عن أبي موسى الأشعري]
الذي لا يذكر الله عند الله ميت، قال تعالى:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
[ سورة النحل: 21 ]
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[ سورة فاطر: 22]
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾
[ سورة الفرقان: 44]
﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
[ سورة المنافقون: 4 ]
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
[ سورة الأعراف: 176]
هذا الذي لا يذكر الله ميت عند الله، قد يكون جسمه نشيطاً، وقد تكون أعضاؤه سليمة، ونبضه جيداً، وضغطه مناسباً، لو فحص جسمه لكان في أعلى درجة، وهو عند الله ميت، لأن حياة القلب بذكر الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[ سورة الرعد: 28]
وهذه الآية من أدق الآيات، لو أن الله عز وجل قال: تطمئن القلوب بذكر الله، ليست قرآناً، لأن معنى ذلك أن القلب يطمئن بذكر الله، ويطمئن بغير ذكر الله، أما حينما جاءت العبارة على صيغة القصر والحصر:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[ سورة الرعد: 28]
لا يمكن أن تطمئن، ولا أن ترتاح نفسك، ولا أن يسكن قلبك، ولا أن تسعد نفسك إلا بذكر الله.
الصبر و حسن الظن بالله عز وجل :
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى:
(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ..))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وإذا كان الله معك فمن عليك؟ لو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يضروك لا يستطيعون، ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾
[ سورة آل عمران: 120]
فإذا وصلنا كيدهم، ونزل بنا كيدهم، وأصابنا كيدهم، معنى ذلك أننا لا نصبر ولا نتقي الله عز وجل، حقيقة مرة وهي أفضل ألف مرة من الوهم المريح :
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾
[ سورة آل عمران: 120]
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[ سورة الصافات: 173]
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[ سورة غافر: 51]
التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة يملأ القلب أمناً و طمأنينة :
أيها الأخوة الكرام، ورد في الحديث القدسي
((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
تحرك نحو الله، اعمل عملاً صالحاً تبتغي به وجه الله، أنفق من مالك في سبيل الله، ادع إلى الله، ائمر بالمعروف وانه عن المنكر، أقم حدود الله، كن مسلماً متحركاً، كن كما قالت السيدة عائشة حينما سئلت عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت:
((كان خلقه القرآن))
[ مسلم عن عائشة ]
قيل: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، الذي يجلب الناس إلى الدين ليس الكلام الفارغ، وليس الكلام النظري، وليس التأمل التجريدي، وليس الإعجاب السلبي، هذه كلها لا تجذب إلى الدين، الذي يجذب الناس إلى الدين أن يروا مسلماً متحركاً أمامهم، أن يروا مسلماً صادقاً، أن يروا مسلماً أميناً، أن يروا مسلماً عفيفاً، أن يروا مسلماً وقافاً عند كتاب الله، وقافاً عند سنة رسول الله، أن يروا مسلماً متأسياً برسول الله، أن يروا بيتاً إسلامياً، وتجارةً إسلاميةً، وعملاً إسلامياً، ولقاء إسلامياً، لا أن يؤدي الصلوات الخمس، ويعيش في حياته على نمط أهل الغرب، هو في واد والإسلام في واد، علاقته بالدين هذه العبادات الشعائرية لا غير.
أيها الأخوة الكرام، إن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، تحرك نحو الله، تجد الله عز وجل يملؤك غنىً، ويملأ قلبك طمأنينة، ويوفقك، وييسر أمرك.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
[ سورة الليل: 5-7]
وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، المعنى الدقيق لهذا الحديث القدسي أنه لمجرد أن تتحرك نحو الله حركة تجد الله عز وجل يحيطك برعايته، وبرحمته، وبعنايته، وبنصره، وبتوفيقه، وبتأييده، ويملأ قلبك سكينة وطمأنينة، هذا معنى:
((إن تقربت إليه ذراعاً تقرب إليك باعاً ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وفي الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((إذا مررت برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر ))
[الترمذي عن أنمس]
إن جلست مع إخوانك فاذكر الله عز وجل، وبينت قبل قليل أن تشرح آية، أن تشرح حديثاً، أن تذكر حكماً فقهياً، أن تتلو القرآن، أن تستمع إلى القرآن، أن تفكر في آية كونية، أن تصلي، أن تفعل شيئاً يرضي الله، هذا كله من الذكر.
ذكر الله عز وجل واجب على الإنسان في كلّ الأوقات :
وفي الترمذي أيضاً عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله عز وجل يقول:
((إن عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قرنه- عدوه-))
[الترمذي عن عمارة بن زعكرة]
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 139]
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[ سورة طه: 45 ـ 46]
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[ سورة الأنفال: 45]
لو تتبعت آيات الذكر لوجدتها كثيرة، لوجدت أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : وَذَلِكَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[مالك والترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]
تحسر الإنسان يوم القيامة على ساعة مضت لم يذكر الله فيها :
أيها الأخوة الكرام، وحينما وصف الله المؤمنين وصفاً جامعاً مانعاً قال:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾
[ سورة الأحزاب: 35 ]
وقال تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾
[ سورة البقرة: 200 ]
أيها الأخوة الكرام، الإنسان يوم القيامة لو أنه نجا من عذاب النار، لو أنه دخل الجنة يتحسر على ساعة مضت لم يذكر الله فيها، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
لذلك ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البيهقي أنه قال:
((ما من ساعة تمرُّ بابن آدم لا يذكر فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة ))
[ البيهقي عن عائشة]
وعن أم حبيبة زوج النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرًا بالمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو ذكراً لله عز وجل ))
[النسائي عن أم حبيبة]
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال:
((أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل ))
[جزء من حديث أبي بكر بن المقرئ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ٍ]
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: " لكل شيء جلاء وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل، ولكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله عز وجل".
الغفلة و طول الأمل خصلتان مهلكتان للإنسان :
يا أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[ سورة الكهف: 28]
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾
[ سورة لقمان: 15 ]
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
[ سورة الكهف: 28]
ليس معنى ،
﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
أن الله خلق فيه الغفلة، حاشا لله، ومعاذ الله أن نفهم هذه الآية هكذا،
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا﴾
أي من وجدناه غافلاً، لأن العرب في لغتها تقول: عاشرت القوم فما أبخلتهم، أي ما وجدتهم بخلاء، عاشرت القوم فما أجبنتهم، أي ما وجدتهم جبناء ،
﴿تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾
أي من وجدناه غافلاً ،
﴿عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
أيها الأخوة الكرام، لا تصاحب إلا ذاكراً لله، لا تصاحب غافلاً عن الله عز وجل، الغفلة عن الله، والأمل في الدنيا خصلتان مهلكتان للإنسان يوم القيامة، الغفلة، والأمل، وأما الذكر وقصر الأمل فهذه من أسباب النجاة للمؤمن يوم القيامة.
أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. والحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قصة معبرة عن حاتم الأصم :
أيها الأخوة الكرام، قصة قصيرة، ولكن ونحن في موضوع القصة أية قصة تسمعها ينبغي أن تعرضها على كتاب الله وسنة رسوله، فإن توافقت في مغزاها مع كتاب الله، وسنة رسوله فعلى العين والرأس، وإن لم تتوافق كلياً أو جزئياً ينبغي أن تنظر إليها من زاوية محدودة.
ورد عن أخبار الصالحين أن حاتماً الأصم قال لأولاده وقد أقبل موسم الحج: إنني أريد أن أحج بيت الله الحرام، كلكم يعلم أن الحج كان مشقة كبيرةً، وأن السفر عند الفقهاء مظنة هلاك، السفر كان فيما مضى مظنة هلاكٍ، ولا يزال، لكن الاحتمال أقوى، مظنة هلاك، فقال لأولاده أريد أن أحج بيت الله الحرام، فقال أولاده: ومن يطعمنا؟ ومن يأتي بحاجاتنا؟ وهذا من حقهم، وبحسب أحكام الفقه ينبغي أن تملك الراحلة والصحة والزاد ونفقة الأهل في غيابك، فردَّتْ بنت من بناته، وكانت على درجة عالية من التقوى، قالت: يا أبت اذهب إنك لست برازق، وفي أيام قليلة انتهى الطعام من البيت، ودخلت الأسرة على هذه البنت التقية لتعنفها، ولتوبخها، فخلت البنت بنفسها ورفعت سؤلها إلى ربها، هذه هي الزاوية التي أردت أن أروي القصة من أجلها، زاوية إذا وضعت ثقتك بالله، وإذا توكلت على الله، وإذا اجتهدت أن تفعل هذا اعتماداً على الله، الله عز وجل لا يخيبك، خلت البنت بنفسها، ورفعت سؤلها إلى ربها الذي قال:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[ سورة الطلاق: 2-3]
ويقدر الرزاق أن أمير البلدة يتفقد أحوال الناس، ووصل إلى بيت حاتم الأصم فشعر بظمأ شديد كاد أن يقتله، فقال لشرطي من الشرطة معه: أدركني بكوب من الماء البارد، فأسرع الشرطي إلى باب حاتم الأصم، ولما علم أهل البيت أن الماء للأمير أحضروا كوباً نظيفاً وماءً بارداً، وهذا من باب: أنزلوا الناس منازلهم، فلما شرب الأمير ووضع الله له اللذة في الماء، سأل، وقال: بيت من هذا؟ قالوا: بيت حاتم الأصم، قال: هذا الرجل الصالح؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي سقاني من بيوت الصالحين، أين هو لأسلم عليه؟ قالوا: هو في الحج، فقال: إذاً وجب علي أن أكافئ أهل بيته في غيبته، وكانت العملة وقتها من الذهب، فأخرج صرة من الذهب مملوءةً، وألقاها في بيت حاتم الأصم، لكن الرزاق أراد لهم المزيد فانطلق لسان الأمير، وقال من أحبني فليصنع صنيعي، فكل من معه رمى بما معه من المال في بيت حاتم الأصم، وذهبوا، وامتلأ البيت مالاً، ودخلت البنت التقية النقية تبكي، فدخلت أمها مع أولادها، لمَ البكاء يا بنيتي؟ وقد أصبحنا في غنى، فقالت: لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فأغنتنا، فكيف لو نظر إلينا الخالق؟
الإنسان بالدعاء أقوى و أغنى و أعلم الناس :
أيها الأخوة الكرام، ما أردت أن تكون هذه القصة حكماً شرعياً، لا، يجب أن تذهب إلى الحج، وأن تعد نفقة الأهل والعيال، وأن تملك الراحلة والصحة والمال، ولكن لو أن مؤمناً وضع ثقته بالله عز وجل، لو أن مؤمناً عقد الأمل على الله عز وجل، لو أن مؤمناً وثق بالله عز وجل، ألم يقل الله عز وجل:
﴿أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[ سورة القصص: 7]
لمن هذه القصة؟ هي لنا، ألم يقل الله عز وجل يحدثنا عن سيدنا يونس:
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
[ سورة الأنبياء: 87 -88]
انتهت القصة وجاء التعليق ليجعلها قانوناً قال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الأنبياء: 88]
يا أخي الكريم هل من مصيبة أكبر من أن يجد الإنسان نفسه في بطن حوت؟ في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، في ظلمات ثلاث، ونادى وهو في بطن الحوت:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الأنبياء: 87 -88]
أنت بالدعاء أقوى الناس، أنت بالدعاء أغنى الناس، أنت بالدعاء أعلم الناس، توكل على الله، فوض الأمر إلى الله، استقم على أمره وفوض إليه أمرك.
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[ سورة الأعراف: 144]
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[ سورة الزمر: 66]
مرةً ثانية: ما أردت من هذه القصة أن يستنبط منها حكم شرعي، الله جل جلاله في قرآنه، والنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده في سنته هما المشرعان، أما قصص نقرأها، نأخذها من زاوية واحدة، لئلا تكون حكماً شرعياً.
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب، ولا تحجبنا بقبائح العيوب، يا رحمن يا رحيم، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم لك الحمد على أن سقيتنا غيثاً، اللهم لك الحمد والشكر، اللهم زدنا ولا تنقصنا، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أساس شكر نعم الله تعالى

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 8:49 pm

ذكْرُ الله شحنة روحيّة وهي قِوامُ كلِّ عملٍ صالحٍ :
أيها الأخوة الكرام، كان موضوع الخطبة السابقة عن الذِّكْر، وقد قال الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
[ سورة الأحزاب : 41-42]
وقال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
وقال عليه الصلاة والسلام:
((ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والفضّة، وخيرٌ لكم من أن تلْقَوا عدوَّكم فتضربوا عناقهم، ويضربوا عناقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذِكْرُ الله))
[مالك والترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء]
أيها الأخوة الكرام، الذِّكْرُ هو الشّحنة الروحيّة التي هي قِوامُ كلِّ عملٍ صالحٍ، فهو أفضلُ شيءٍ لأنّه أساسُ كلّ شيء، ولأنّه سببُ كلّ عملٍ صالح تتقرَّبُ به إلى الله عز وجل، ولئلاّ يذهب الظنّ بِبَعضِنا إلى أنّ الذِّكْرَ أنْ تجلسَ، وتذكرَ الله تعالى ذِكْرًا ألِفْناهُ في بعض العُصور، الذِّكْرُ له معانٍ واسعةٌ جدًّا، نوَّهْتُ عنها في الخطبة السابقة، وأريد في هذه الخطبة أنْ أزيدها تفصيلاً.
أنواع الذكر :
أيها الأخوة الكرام، أحدُ أنواع الذِّكْر أن تذْكُر أسماء الله تعالى، وأن تذكرَ صِفاتِهِ، وأن تُثْنِيَ عليه، وأن تُنَزِّهَهُ عمَّا لا يليقُ به، هذا أحدُ أنواع الذِّكْر، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة، أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يذْكُر الله من هذا القبيل، يقول: سبحان الله وبِحَمده، سبحان الله العظيم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان الله وبحمده لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمْد، يُحْيي ويُميت، وهو على كلّ شيءٍ قدير، هذا نوعٌ من الذِّكْر، أنْ تذكرَ أسماء الله عز وجل، وأن تذْكر صفات الله عز وجل، وأن تثني على الله عز وجل، وأن تنزّه الله عمَّا لا يليق به.
أيها الأخوة، ولكن هناك ذِكْراً أفْضَلُ مِن ذِكْرٍ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال:
(( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ))
[ مسلم عَنْ جُوَيْرِيَةَ ]
خاطَبَ جُوَيْريّة، وكانت تذكر الله، تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، قال لها:
(( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ))
[ مسلم عَنْ جُوَيْرِيَةَ ]
وفي الترمذي عن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم على امرأةٍ بين يدَيها نوى، أو حصًى تُسبِّحُ بها فقال عليه الصلاة والسلام:
(( سبحان الله عدد ما خلقَ الله في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالقٌ، والله أكبرُ مثل ذلك، ولا إله إلا الله ولا حوْل ولا قوّة إلا بالله مثلُ ذلك))
[الترمذي عن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه ]
هذه أنواعٌ من الذِّكْر، وردَتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، هناك نوْعٌ آخر له شأْنٌ كبير، ولا سيما في هذا العصْر، أنْ تخبِرَ عن الله تعالى، أن تخبرَ عن الله عز وجل وتقول: الله عز وجل يسمعُ أصوات عِباده، ويرى حركاتهم، لا تخفى عليه خافيَةٌ من أعمالهم، أرْحمُ بهم من آبائهم، ومن أُمّهاتِهم، هو على كلّ شيءٍ قدير، لله أفْرحُ بِتَوبة عبده من الفاقد راحلتِهِ، ونحو ذلك، وهذا نوعٌ من الذِّكْر جليلٌ جدًّا، أن تعرّف الناس بالله عز وجل، ربّنا رحيم، ربّنا كريم، ربّنا توّاب، ربّنا قويّ، ربّنا يُجيبُ دَعوَة الداعي إذا دعاه، ربّنا أمرنا أنْ نسْتعينَ به، وما أمرنا أن نستعين به إلا ليُعِيننا، ربّنا أمرنا أن نسألهُ جوْف الليل، ووقْت السَّحر، وأن نسألهُ حاجتنا كلّنا، سُؤْلنا كلّه، أن تحدِّث الناس عن الله عز وجل كلامًا طويلاً، مستفيضًا، تبيّن لهم أسماء الله الحسنى، وصِفاته الفُضْلى، وكيف يُعامِلُ عِبادهُ ؟ كيف يرْحمهم ؟ وكيف يعلمُ سكناتهم؟ وكيف يعلم حركاتهم ؟ وهذا نوعٌ آخر من الذِّكْر، ولعلّ هذا النوع هو ذِكْرُ الدُّعاة لله عز وجل، يذْكرون الله لِعِباده، يُعَرِّفون الله لِعِباده، يقرِّبون العباد إلى ربّهم، يُحبِّبون الله إلى عباده، يحملونهم على طاعة الله، يبيِّنون لهم طريق الوُصول إلى الله تعالى، هذا من أجلّ أنواع الذِّكْر.
لعلّ النوع الأوّل هو ذِكْرُ تعبدىّ فرديّ، ولعلّ النوع الثاني ذِكْرُ الدَّعْوَة إلى الله عز وجل، وكلاهما ذِكْرٌ لله عز وجل، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
[ سورة الأحزاب : 41-42]
وقال تعالى:
﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
اُذْكروني لِعِبادي، بيِّنوا لهم عَظَمتي، بيِّنوا لهم رحمتي، بيّنوا لهم حِكْمتي، هناك مَن ينفِّر، هناك من يقول: نجّار عندهُ قِطْعتا خشَب، جعل أحدهما باب قصْر، والثانيَة باب كنيف، ألَكَ عندهُ سؤال ؟ طبْعًا لا، لكنّ هذا الكلام لا يُحبّب الله إلى عبادهِ، بعضهم يعْتقِدُ عقيدة الجَبْر، ويبيّن للناس أنّ الله خلق الإنسان كافرًا، وأجْبرهُ على الكُفْر، وسيضَعُهُ في جهنّم إلى أبد الآبدين، هذا ليس مقرِّباً، ولكنَّه منفِّرٌ، هناك من يقول: قد تُطيعهُ طوال حياتك، ويجعلك في النار، هو على كلّ شيءٍ قدير، ولكنّ الله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56 ]
قال تعالى:
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[ سورة سبأ : 17]
قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8]
قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾
[ سورة الشورى : 30]
هذا التوضيح المبتور، تأتي بِنَصّ دون أن تربِطَهُ بِبَقِيَّة النُّصوص، أن تأتي بِنَصّ لو جُمِعَ مع بقيّة النُّصوص لكان متكامِلاً معها، أما أن تجْتزِئ نصًّا، وأن تلحّ عليه، وأن تنفّر الناس منه، أنت لسْتَ مقرِّبًا إلى الله عز وجل، ولسْتَ تُحَبِّبُ الله إلى عباده، ولسْتَ تحملُهم على أن يتَّصِلوا به، ولا على أن ينصاعوا لأمره.
الذِّكْر ينبغي أن يكون حمْدًا وثناءً وتمجيدًا لله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، الذِّكْرُ الأوَّل هو ذِكْرُ العبادة، ولكنّ الذِّكْر الثاني هو ذِكْرُ الدَّعوَة إلى الله تعالى، يجبُ أن تعرّف الناس بأسماء الله الحسنى وبصِفاتِهِ الفُضْلى، أن تعرّفهم بِكَرمِهِ، بِرَحمتِهِ، بِعَفْوِهِ، ومحبّته لعِباده، وبِفَرَحِهِ بِتَوْبتِهِم، يجبُ أن تجعل من دعوتك تعريفًا بالله عز وجل، ويجبُ أن تعرّف بالآمر قبل أن تعرّف بالأمْر، لأنّ كلمتي المشهورة ؛ إنْ عرَّفْتهم بالأمْر ولم تعرِّفهم بالآمِر تفنَّنوا في التفلُّت من هذا الأمْر، أما إن عرَّفْتهم بالآمر، ثمّ عرَّفْتهم بالأمْر تفانَوا في طاعة الآمر كما فعَلَ عليه الصلاة والسلام، أمْضى حِقْبةً طويلة في مكّة يعرّفهم بالآمِر، فلمَّا اسْتقرّ الإيمان في قلوبهم، ولمّا تمرَّسُوا بِمَعرفة الله عز وجل جاء التشريع، فإذا هم من الورع بِمَكان.
أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
((إذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله تعالى: حمِدَني عبْدي، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله: أثْنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدِّين، قال الله: مجَّدني عبدي))
[ القرطبي عن أبي هريرة]
اسْتنبطَ بعض العلماء أنَّ الذِّكْر ينبغي أن يكون حمْدًا، وثناءً، وتمجيدًا لله عز وجل، لذلك قالوا: المُحِبّ الساكتُ لا يكون حامِدًا، والحامِد غير المحبّ لا يكون حامِدًا، لا بدّ من أن يمتلئ قلبك محبّة له، ولا بدّ أن يلْهَجَ لِسانُكَ بِحَمْدِهِ، ولا بدّ من أن تمجّده للخلق.
أجلّ أنواع الذكر ذكر أمر الله و نهيه و أحكامه التشريعية :
أيها الأخوة الكرام، وهناك نوعٌ من الذِّكْر هو من أجلّ الأنواع أيضًا، أن تذْكُر أمْرَهُ، وأن تذْكُر نهْيَهُ، وأن تذْكُر أحكامهُ التشريعيّة، هذا هو الأمْر، هذا حلال، وهذا حرام، وهذا مكروه، وهذا مندوب، وهذا مُباح، وهذا فرْض عيْن، وهذا فرض كفاية، وهذا محرّم، وهذا شِرْك، وهذا كُفْر، أنت حينما تعرف الله تشعرُ بِحاجةٍ قويّة أن تتقرَّب إليه، بما تتقرَّبُ إليه ؟ بِطاعَتِهِ، تُطيع مَاذا ؟ تُطيع أمْرهُ، أين أمرهُ ؟ إذًا جزءٌ من الدَّعْوَة إلى الله أن تعرِّفَ الناس بأمْره، وكأنَّ الدَّعْوَة تقوم على دِعامَتَين ؛ أنْ تعرِّفَ الله بذاته، أن تعرّف العباد بذات الله عز وجل، وبأسمائِه الحسنى وبصفاتهِ الفضلى، وبالتوحيد لأنّه خالق السموات والأرض، وربّ العالمين، ومُسيِّرُ كلّ شيء، واحد أحدٌ، فرْد صَمَد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، واحدٌ في ذاتِهِ، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في أفعاله، هذا جانبٌ من الذِّكْر، والجانب الثاني، أن تذْكرَ أمْرهُ ونهْيَهُ، إطلاق البصَر حرام، وغضّ البصَر أمْرٌ إلهي في القرآن الكريم، ضبْط اللّسان أمْرٌ إلهي، كيف مُسِخَ الدِّين عند الناس إلى عبادات شعائريّة جوفاء ؟ كيف يقول جعفر رضي الله للنجاشي:
((أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ))
[الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]
منهجٌ أخلاقي كامل، الإيمان كلّه صِدْق، الإيمان كلّه محبّة، الإيمان كله إخلاص، الإيمان كلّه عِفّة، هذا الذي يُصلّي، ويضْحِكُ الناس بِنُكَتٍ بذيئة جنسيّة، كيف تنْسجِمُ الصلاة مع هذا المزاح البذيء ؟ هذا الذي يُصلّي ولا يُؤْتَمَنُ على مال، وهذا الذي يصلّي، ولا يؤْتَمَن على عِرْض، ما قيمة هذه الصلاة ؟ نقول له: اسْتمرّ على الصلاة، وانتَبِه إلى لوازم الصلاة، قال تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة العنكبوت: 45 ]
أيضًا أيها الأخوة، أنْ تذْكُر اسم الله، وأن تذكره بالحَمْد، والثّناء، والتمجيد، هذا ذِكْرٌ تعبّدي، وأن تذكُر الله لعباده معرِّفًا أنّه الخالق، والربّ، والمُسيِّر، وهو الإله الواحد الأحَد، أن تذكر أسماءه وصفاته الفضلى، هذا ذِكْرٌ دَعَوِيّ، الآن أن تذْكرَ أمْره ونهْيهُ، كيف تتقرَّب إليه ؟ بِطَاعتهِ، أين أمْرُه ونهْيُه ؟ جُزءٌ من الدِّين أن تبيِّنَ أمْرهُ ونهيَهُ، هذا ذِكْرٌ، ولكنّ بعض العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: أما الفقْه الأكْبر ؛ إنْ ذَكَرْت أمْرهُ بادرْت إلى تنفيذ هذا الأمْر، وإن ذكرْت نهْيَهُ ابْتَعَدْت عن هذا النَّهْي بُعْد الأرض عن السّماء، أي أن يجدك الله عند الحلال والحرام، أن يجِدَكَ حيثُ أمرك، وأن يفتقدَك حيث نهاك، هذا هو الفقه الأكبر، أن تطبّق هذا الذي تعلّمُه للناس، الفقْه الأكْبر ؛ إنْ ذَكَرْت أمْرهُ بادرْت إلى تنفيذ هذا الأمْر، وإن ذكرْت نهْيَهُ ابْتَعَدْت عن هذا النَّهْي.
أيها الأخوة الكرام، ولعلّ من باب التقريب أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((كلّ أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبْتر ))
[ أبو داود عن أبي هريرة ]
أنت حينما تمْسك كأس الماء لِتَشربهُ، تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، مَن جعَلَ هذا الماء عذْبًا مُستساغًا ؟ الله جلّ جلاله، لو كان مِلْحًا أُجاجًا ماذا نفْعَل ؟ يموت الناس في البحر وهم على الماء محمولون من شِدّة العطش، فإذا ذكرْت الله عز وجل، أيْ إذا قلْت: بسم الله الرحمن الرحيم، أن تذْكُرَ المُنْعِم، وأن تذْكُرَ أمْر المُنْعِم، أمرَكَ النبي أن تشْربَ قاعِدًا، وأن تشرب على ثلاث دَفْعاتٍ، وأن تمصّ الماء مصًّا لا أن تعبَّهُ عبًّا، إذًا البسملة تعني أن تذْكُر المنْعِم، وأمْر المُنْعِم في كلّ شيءٍ، ذهَبْتَ إلى محلّك التِّجاري، بسم الله الرحمن الرحيم، ينبغي أن تجعَلَ هذا العمل التِّجاري في خِدْمة الحقّ، أمركَ أن تبدأ عملكَ ببسْم الله الرحمن الرحيم إن كنت طبيبًا، أيْ أن تبتغي بهذه الحِرفة وَجْه الله عز وجل فتكون صادقًا مع المرضى، مُتْقِنًا في عملك، ناصحًا لهم.
أيها الأخوة، وهذا الذِّكْرُ الثالث هو ذِكْر الفقه الأكبر، إنْ ذَكَرْتَ أمْرًا بادرت إلى تنفيذه.
ذِكْرُ القلب يُثْمِرُ المعرفة ويهيِّجُ المحبّة ويُثير الحياء :
أيها الأخوة الكرام، بقيَ شيءٌ، قالوا: الذِّكْرُ خمسةُ أنواع ؛ ذِكْرٌ بالقلب واللّسان معًا، وهذا أفضلُ أنواع الذِّكْر على الإطلاق، وذِكْرٌ بالقلب وحْدهُ وهو في الدرجة الثانية، وذِكْرٌ باللّسان وحْده، وهذا في الدرجة الثالثة، ذلك أنّ الذِّكْر يرقى إذا اجتمعَ فيه القلب واللّسان معًا، أما إذا كان ذِكْر القلب وحده، فهو أفضلُ من ذِكْر اللّسان وحْدهُ، أما الأكْمل فأن يكون القلب ذاكرًا، واللّسان ذاكرًا.
قالوا: ذِكْرُ القلب يُثْمِرُ المعرفة، ويهيِّجُ المحبّة، ويُثير الحياء، ويبعثُ على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزَعُ عن التقصير في الطاعات والتهاوُن في المعاصي والسيّئات، أما ذِكْرُ اللّسان وحدهُ فلا يوجِبُ شيئًا فهذا ثمرتُه ضعيفة.
هذا الذي يذكرُ بلسانه فقط، نقول له: اسْتمرّ في ذِكْر اللّسان، وأضِف له ذِكْر القلب، لأنّ ذكْر اللّسان وحدهُ قيمته ضعيفةٌ جدًّا.
الذكر أفضل من الدعاء :
أيها الأخوة الكرام، شيءٌ آخر في هذا الموضوع، قالوا: الذِّكْرُ أفْضلُ من الدّعاء، استِنادَا إلى الحديث القدسي:
((من شغلهُ ذِكري عن مسْألتي أعْطَيتهُ أفضَلَ ما أُعطي السائلين))
[ سنن الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]
لذلك المُستحبّ في الدّعاء أن يبْدَأ الداعي بِحَمْد الله تعالى، والثّناء عليه بين يدي حاجته، ثمّ يسأل حاجته، كما في حديث فُضالة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سمِعَ رجلاً يدْعو في صلاته ولم يحمد الله تعالى، ولم يُصلّ على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:
((عجَّلَ هذا، ثمّ دعاهُ فقال له: إذا صلّى أحدكم فلْيبدأ بِتَمجيد ربّه عز وجل، والثناء عليه، ثمّ ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلّم، ثمّ يدعو بما شاء ))
[ الحاكم عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ]
فالذِّكْر بِشَكلٍ دقيق أفْضلُ من الدّعاء، أما إذا كان لا بدّ من الدّعاء فلْتبدأ بذِكْر الله عز وجل، بِحَمْدِهِ، والثناء عليه، ثمّ بالدّعاء، هذا الحديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه.
أصول الدعاء :
أيها الأخوة الكرام، قُدْوتنا في الدّعاء دُعاءُ سيّدنا ذي النون عليه السلام فقال عليه الصلاة والسلام: دَعْوةُ أخي ذي النون ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّجَ الله كُرْبَتَهُ ؛ ماذا قال ؟ قال: وهو في بطْن الحوت في ظلماتٍ ثلاث، في ظلمة بطْن الحوت، وظلمة البحر، و ظلمة الليل: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، قال تعالى:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الأنبياء : 87-88]
هذا قانون، وهذا الكلام دقيقٌ جدًّا، ما أراد الله أن يحدِّثنا عن قصّة نبيّ، لا، بل أراد أن يجْعَلَ من دُعاء النبي منْهجاً لنا في حياتنا، فمهما تكن مصيبتك لا يمكن أن تزيد عن إنسانٍ وجَدَ نفسهُ فجأةً في بطن الحوت، ماذا يفعل؟ احتمال النجاة بالمليار واحد، ومع ذلك نجّاه الله تعالى، فأيّةُ قضيّة هي أهْوَنُ من قضيّة سيّدنا يونس بِكَثيرٍ، لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنّه لم يدع بها مسلم قطّ إلا استجابَ الله له، سيّدنا يونس ما قال: يا ربّ أنقذني، قال: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، لم يقل شيئًا، أثنى على الله عز وجل، هنا قال العلماء: الثَّناء على الله دُعاء، أي إذا قالت أم لإنسان ابنها عندهُ أسير: أنت رحيم، ماذا تقصِدُ الأمّ من كلمة أنت رحيم ؟ أنت عادل، وأنت لا ترضى بالظّلم، ما معنى هذا الكلام ؟ أي فُكَّ أسْر ابني، هذا هو معناه.
وفي الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام:
((دعْوَةُ أخي ذي النون إذْ دعا وهو في بطْن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنّه لم يدع بها مسلم قطّ إلا استجابَ الله له))
[ الترمذي عن سعد بن مالك ]
يعلّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أُصول الدّعاء، كان عليه الصلاة والسلام يدعو في ساعات الكرْب يقول: "لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم" هو يُثني على الله عز وجل، ويبيّن أنّه واحد أحَدُ لا شريك له، وحدهُ الفعّال، وحْدهُ المعطي، وحدهُ المانع، وحده الخافض الرافع، وحده المعزّ المذلّ، هذا معنى لا إله إلا أنت الحليم الكريم، الرحمن الرحيم، ربّ العرش العظيم، الأمر إليك، وأنت هكذا يا ربّ، القضيّة طُوِّقَتْ، أنت تُعاني مشكلة، الأمْر بيَدِ اله ، والله عز وجل كريم، ورحيم، وقدير، وسميعٌ، ومُجيبٌ، فهذا قِمّة في الدّعاء ؛ لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم.
عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام سمِعَ رجلاً يدعو ويقول:
((اللهمّ إنِّي أسألك بأنِّي أشْهدُ أنَّك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصّمد، الذي لم يلد، ولم يولَد ولم يكن لهُ كفوًا أحدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيدِه لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئِلَ به أعطى ))
[ النسائي عن أنس ]
أيها الأخوة الكرام، هذا من السنّة التقريريّة، وسنّة النبي عليه الصلاة والسلام قوليّة، وسنّتهُ فِعْليّة، وهذا من السنّة التقريريّة، سمِعَ النبي عليه الصلاة والسلام دعاء أحد أصحابه فقال:
((والذي نفسي بيدِه لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئِلَ به أعطى))
[ النسائي عن أنس ]
وروى أبو داود والنسائي من حديث أنس أنّه كان مع النبي صلى الله عليه وسلّم جالسًا، ورجلٌ يُصلّي ثمّ دعا:
((اللهمّ إنِّي أسألك بأنّ لك الحمد، ولا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيّوم، فقال عليه الصلاة والسلام: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئِلَ به أعطى))
[ أبو داود عن أنس ]
فأخْبَر النبي صلى الله عليه وسلّم أنّ الدّعاء إذا تقدَّمهُ هذا الثّناء والذِّكْر يُسْتجاب، فكان ذِكْر الله عز وجل والثّناء عليه أنْجَحَ ما طلبَ به العبد حوائِجه.
ابتداء الدّعاء بالثناء على الله أقْوى وأبلغ من أن يبدأ بِعَرْض الحاجة :
أيها الأخوة الكرام، دقّقوا في الدّعائين القرآنييْن، دعاء سيّدنا موسى عليه السلام، قال تعالى:
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[ سورة القصص : 24]
ودعاء سيّدنا ذي النون، قال تعالى:
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[ سورة الأنبياء: 87]
فأنْ يبدأ الدّعاء بالثناء على الله عز وجل أقْوى وأبلغ من أن يبدأ بِعَرْض الحاجة فقط.
سيّدنا الصّديق رضي الله عنه كما ورد في الصحيحين قال: يا رسول الله علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي؟ فقال: قلْ: اللهمّ إنّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارْحمني، إنّك أنت الغفور الرحيم.
هذا الدّعاء ينبغي أن ندْعُوَ به عقب كلّ صلاة، قبل السّلام: "اللهمّ إنّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارْحمني، إنّك أنت الغفور الرحيم".
قال: فَجُمِعَ في هذا الدّعاء الشريف العظيم القدْر بين الاعتراف بِحَالِهِ، والتوسُّل إلى الله عز وجل بفَضْله، وجودِهِ، وأنّه المنفرد بِغُفران الذّنوب ثمّ سألهُ حاجته بالتوسُّل بالأمْرَيْن معًا، فهذا من أكْمل أدْعِيَة الإسلام.
قراءة القرآن أفضلُ أنواع الذِّكْر بشكل مطلق :
أيها الأخوة الكرام، بقيَ موضوعٌ قصير هو أنّ قراءة القرآن أفضلُ أنواع الذِّكْر، بِشَكلٍ مطلقٍ، أما وأنت تركع، أفضلُ الذِّكْر أن تقول: سبحان ربّي العظيم، وأنت ساجِد: سبحان ربّي الأعلى، فهناك ذِكْرٌ فاضِل، وهناك ذِكْرٌ مفضول، ولكن في بعض الأحوال المفضول يجبُ أن يقدّم على الفاضِل، أنت في مصيبة، الدّعاء أفضلُ من قراءة القرآن، أنت في مِحْنة الاستغفار أولى، فمُطلقًا أعلى شيءٍ أن تقرأ القرآن، أما حينما تمر بحالةٍ خاصّة وصعبة فلابدّ من أن تقدّم الاستغفار، أو أن تقدّم الدّعاء على تلاوة القرآن.
سُئِلَ بعض العلماء الكبار أيّهما أنفعُ للعبْد التسبيح أم الاستغفار ؟ فقال: إذا كان الثوبُ نقِيًّا، فالبخور والماء أفضل، أنفعُ له، وإن كان دنِسًا فالصابون والماء الحارّ أفضل. أي إذا كان هناك نقاء فالتسبيح، وإذا كان هناك ذنب فعليك بالاستغفار، فنحن عندنا حُكم مطلق، وعندنا حكم نسبي.
أيها الأخوة الكرام، هذا موضوع دقيق أُحاوِل أن أزيد عليه في خُطَبٍ قادمةٍ إن شاء الله تعالى.
أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها، وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قلبُ الإنسان أخْطرُ ما فيه فهو موضع المعرفة والشُّكْر و الحمْد :
أيها الأخوة الكرام، كلمةٌ من القلب إلى القلب، حينما ركَّزَ بعض العلماء في الماضي أو في الحاضر على القلب تركيزًا شديدًا، وقد انحرفَ بعضهم أو متأخِّرهم، فنحن لا ينبغي أن يكون ردّ فعلنا أن نلغي القلب، بل أن نلغي انحرافهم، وشُذوذهم، أما القلب فله مكان كبير في الكتاب والسنّة ولعل من أقوى الأدلة على ذلك، أنّ الله عز وجل:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
هذا في الكتاب، أما في السنّة فقوله عليه الصلاة والسلام:
(( ألا و إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدَت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب))
[ البختري عن النعمان بن بشير ]
فقلبُ الإنسان أخْطرُ ما فيه، إنّه موضع المعرفة، موضِعُ الشُّكْر، وموضِعُ الحمْد، وموضعُ التواضع، وموضعُ الكِبْر، وموضعُ الزَّيغ، وموضع الاستعلاء، أكثر أمراض القلب مهلكة، ولكن أمراض القلب متى تبدأ ؟ عند الموت، وأمراض الجسد تنتهي عند الموت، لذلك أمراض القلب خطيرة لأنّ هذه الأمراض أبديّة، وبها يعذّب الإنسان في جهنّم إلى أبد الآبدين، بينما أمراض الجسد تنتهي بِمَوْت صاحبِها.
أيها الأخوة الكرام، بِرَبِّكم لا سمَحَ الله ولا قدَّر، أبْعَدَ الله عنا وعنكم كلّ مكروه، لو أنّ إنسانًا عرف في قلبه مشكلةً كبيرة، وأنّ هذه المشكلة قد تكون قاتلة، لمَ يهْتمّ كثيرًا ولا ينامُ الليل؟ لمَ يبْحثُ عن أكبرِ طبيب؟ لمَ يبيعُ بيتهُ من أجل عمليّة جراحيّة ؟ لأنّه قلب، فلماذا لا تهتمّ بقلبك الآخر القلب الإيماني الذي قال الله تعالى عنه:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
قلبٌ ممتلئ كِبْرًا، قلبٌ ممتلئ حسدًا، قلبٌ ممتلئ شهْوةً، قلبٌ ممتلئ من حبّ الدنيا، قلبٌ ممتلئ بالمعلومات المضحكة، والسخيفة، والساقطة، هذا هو الإسلام، وِعاءٌ ؛ ماذا تعبّئ في هذا الوِعاء ؟
أيها الأخوة الكرام، ذهب رجلٌ إلى سفيان الثوري رحمه الله، فقال له: يا سفيان، لقد ابتُليتُ بِمَرض قلبي، فاصْرِف لي دواءً، فقال له سفيان: عليك بعُروق الإخلاص، وورق الصّبر، وعصير التواضع، ضَع هذا كلّه في إناء التقوى، وصُبّ عليه ماء الخشية، وأوْقِد عليه نار الحُزْن من المعصيَة، وصفّه بِمِصفاة المراقبة، وتناوَلْهُ بِكَفّ الصّدْق، واشْربْه بكأس الاستغفار، وتمضْمض بالورَع، وابتعِد عن الحِرْص والطّمَع، تُشْفى من مرضك بإذن الله تعالى.
هذه المعاني ينبغي أن تحيا في قلوبنا، أن يعْتَنِيَ الإنسان بقلبه، وأن يكون قلبهُ سليمًا، أن يكون قلبهُ مُحِبًّا لله عز وجل، أن يكون القلب سليمًا تّجاه الخلق.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " اُطلب قلبكَ في ثلاثة مواطن - الإنسان يتفقّد أحيانًا محفظة النقود، يتفقّدها متى ؟ إذا دخل إلى محلّ تِجاري لِيَشْتري، فلا بدّ من أن يدفع، يضَع يده على صدره، ويتفقّد مفتاح سيارته إذا ذهب إلى مركبته، يتفقّد مفتاح بيته إذا دخل بيته- عند سماع القرآن، وفي أوقات الخَلْوة، وفي مجالس الذِّكْر - أيْ مجالس العلم- فإن لم تجد قلبك في هذه المواطن الثلاثة فاسْأل الله تعالى أن يمنّ عليك بقلبٍ فإنّه لا قلب لك" في الصلاة لا يوجد أيّ شُعور، وفي مجلس العلم لا يوجد أيّ شُعور، وفي خلوتك مع الله لا يوجد أيّ شُعور، اِسأل الله عز وجل أن يهبك قلبًا فإنّه لا قلب لك.
وقال بعض أصحاب رسول الله: القلب ملِكُ الأعضاء والجوارح، والجوارحُ جنوده ورعاياه، فإن طاب الملِك طابَت الجنود والرعايا، أحدُ كبار العلماء يقول: لا يسلمُ القلب حتى يسلم من خمسة أشياء ؛ من شِرْك يناقض التوحيد- أحدُ أكبر أمراض القلب الشّرْك- ومن بِدعةٍ تناقضُ السنّة - وأحدُ أكبرُ أنواع الانحراف أن تبتدعَ شيئًا ما فعلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم- ومن غفلةٍ تتناقضُ مع الذِّكْر، ومن شهوةٍ تتناقض مع الأمر، ومن هوًى يتناقَض مع الإخلاص، ألم تقرؤوا قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
القلب السليم سَلِمَ من شِرْكٍ يناقض التوحيد، وسلِمَ من بدعة تناقض السنّة، وسلِمَ من غفلةٍ تناقض الذِّكْر، وسلِمَ من شهوةٍ تناقض الأمْر، وسلمَ من هوًى يناقضُ الإخلاص.
تطهير القلب من الحسد و الكِبر و الغل :
أختمُ خطبتي أيّها الأخوة بحديث دقيق جدًّا، عن حذيفة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عليه الصلاة والسلام:
((تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه))
[مسلم عن حذيفة]
هذه الفتن التي نحن فيها، نحن محاطون بالفِتَن، نحن في زمن الفِتَن، عبادة الله تعالى في الهرْج كَهِجْرةٍ إليّ، القابض على دينه كالقابض على الجمْر، أجرهُ كأجْر سبعين، قالوا منّا أم منهم ؟ قال: منكم لأنّكم تجدون على الخير معوانًا، ولا يجدون، قال:
((تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه))
[مسلم عن حذيفة]
أيها الأخوة الكرام، أخْتِمُ خطبتي بما بدأتُ به، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
تعاهدوا قلوبكم، احْرصوا على سلامة قلوبكم، طهِّروها من الحسد، طهِّروها من الغلّ، طهِّروها من الكِبْر، طهِّروها من تعظيم الذات، طهِّروها من التعالي، طهِّروها من حبّ الدنيا، طهّروها من كلّ درن، أكسِبوها الكمالات من خلال الاتّصال بالله عز وجل، ليَكن الكمال في قلوبكم، والتواضع، والرّحمة، والإنصاف.
أيها الأخوة الكرام، القلب رأسُ مالك في الجنّة، والقلب السليم سبب سعادتك الأبديّة، وكما قال عمر رضي الله عنه: " تعاهدوا قلوبكم" وهذا من صُلب الدّين، وأُعيدُ مرَّةً ثانيةً أنّ فئةً ركَّزَت على القلوب وانحرفَت، ردّنا على انحرافها لا أن نلغيَ القلوب، بل أن نلغيَ انحرافها فقط.
الدعاء :
اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيْت، وتولَّنا فيمن تولّيْت، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنَّه لا يذلّ من واليْت، ولا يعزّ من عادَيْت، تباركْت ربّنا وتعاليْت، ولك الحمد على ما قضيْت، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنَّا، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ، مولانا ربّ العالمين، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنَّا سترَك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، يا أكرم الأكرمين، نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين، وانصر الإسلام، وأعزّ المسلمين، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى، إنَّك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أساس شكر نعم الله تعالى

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 8:52 pm


1 ـ يطرد الشيطان و يقمعه و يكسره :
أيها الأخوة الكرام... كان موضوع الخطبة السابقة عن الذِكْر، أول فوائد الذِكر أنه يطرد الشيطان ويَقْمَعُه ويكسره، وقد وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ خنَّاس، لمجرَّد أن تذكر الله عزَّ وجل يَخْنُسُ ويتلاشى، معك سلاحٌ فعَّال، معك سلاحٌ لا يكلِّفك إلا أنه تكون مع الله..
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾
[ سورة الحجر: 42 ]
أيها الأخوة الكرام... لعلَّ شرور البشر، لعل مصائب البشر، لعل محن البشر كلها بسبب وسوسة الشيطان، ألم يقل الله عزَّ وجل على لسان سيدنا موسى:
﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
[ سورة القصص: 15]
أية طامَّةٍ كبرى، وأيَّةُ مصيبةٍ كبرى، وأيُّ محنةٍ كبيرة وراءها الشيطان..
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[ سورة فاطر : 6]
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾
[ سورة البقرة: 268 ]
يمنعكم من أن تُنْفِقوا، الشيطان يلقي العداوة والبغضاء بين المؤمنين، الشيطان يخوّفكم من أوليائه..
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة آل عمران:175 ]
لمجرَّد أن تذكر الله عزَّ وجل يُطْرَدُ الشيطان، ويُقْمَعُ، ويُكْسَر وهو أعدى أعداء الإنسان.
2 ـ يرضي الرحمن :
الفائدة الثانية أيها الأخوة أن ذكر الله عزَّ وجل يرضي الرحمن..
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
أتحب أن أكون جليسك ؟ قال: كيف ذلك يا رب ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني .... أنا جليس الذاكرين".
إنه يرضي الرحمن، لأن الله عزَّ وجل حينما قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾
[ سورة آل عمران:102 ]
فسَّر علماء التفسير " حق التقوى " أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره.
أيها الأخوة الكرام... إنه يرضي الرحمن لأنك بذكر الله عزَّ وجل أنت مع الله، وإذا كنت معه كان معك، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟
ثمارٌ يانعة، وقطوفٌ رائعة تجنيها من ذكر الله، ذكر الله أن تكون مع الله بقلبك، كما ذكرت في الخطبة السابقة: الذكر الأعلى أن يكون بالقلب واللسان معاً، يليه الذكر بالقلب وحده، ثم الذكر باللسان وحده، أما أعلى أنواع الذكر فأن تذكره بقلبك ولسانك معاً.
3 ـ يزيل الهمّ و الغمّ من القلب :
أيها الأخوة الكرام... إن من فوائد الذكر أنه يزيل الهمّ والغمَّ عن القلب، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهَم، الهموم التي تملأ القلوب، الهموم التي تُفَتَّت الأكباد، الهموم التي تَسْحَقُ الإنسان، إنها تذهب عن الإنسان بذكر الله، ألم يقل الله عزَّ وجل:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[ سورة الرعد : 28]
خالق الكون..
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
الخبير يقول لك: سعادتك بذكري، وهل واحدٌ منَّا لا يبحث عن السعادة ؟ هل في الأرض كلها إنسانٌ لا يبحث عن سلامته وسعادته ؟ سلامته بطاعة الله، وسعادته بذكر الله.
بيَّنت في الخطبة السابقة أن ذكر الله واسعٌ جداً، ربما تذكره ذكراً تعبدياً فتقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ـ وربما تذكره ذكراً دَعَوِيَّاً بأن تبين للناس رحمة الله، وعظمته، وعدله، وقوته، وغناه، ولطفه، ورأفته.. إلخ.
وربما تذكره ذكراً تعرُّفياً بأن تتحدث عن آلائه، وعن آياته، وعن خلقه في السموات والأرض، وفي خلق الأنفس. ـ وربما تذكر أمره ونهيه، هذا من الذكر. ـ وربما تبادر إلى فعل أمره وترك نهيه وهذا من الفقه الأكبر. ـ وربما تدعوه والدعاء من الذكر. ـ وربما تقرأ القرآن والقرآن من الذكر. ـ وإذا قمت لتصلي فالصلاة ذكر..
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14]
فما من نشاطٍ يتَّسع ويتسع ويتسع ليجعل كل نشاطات الإنسان ضمنه كالذِكر.
إذاً حينما يقول الله عزَّ وجل:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[ سورة الرعد : 28]
صيغة هذه الآية صيغةٌ قصرية، من القصر والحصر، أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، ومهما بحثت عن شيءٍ يسعدها بعيد عن الذكر فهي تمشي في طريقٍ مسدود، فهي تمشي في طريقٍ مغلق.
4 ـ يجلب الفرح و السرور للقلب :
أيها الأخوة الأكارم.... يزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب للقلب الفرح والسرور والبَسْط، هذا معنى قول بعض العلماء: " في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ".
وهذا قول بعض العلماء: " بستاني في صدري ؛ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي ؟". هذا لأنه ذاكرٌ لله عزَّ وجل.
أيها الأخوة الكرام... هناك صفةٌ للذكر تطهيرية، وصفةٌ تعطيرية، فبينما الذكر يطرد الشيطان إنه في تارةٍ أخرى يرضي الرحمن، بينما الذِكر يزيل الهمّ والغمّ والحزن، هو من جهةٍ أخرى يجلب للقلب الفرح والسرور والانبساط، هل منَّا واحدٌ لا يتمنى أن يكون سعيداً ؟ هل منا واحدٌ لا يتمنى أن يكون في أعلى درجةٍ من السعادة ؟ إن طريقها ذكر الله.
5 ـ يقوي الأبدان :
أيها الأخوة الكرام... من أعجب ما في الذكر أنه يقوّي البدن، كيف ؟ الآن ثبت أن معظم الأمراض وراءها شدةٌ نفسيَّة، اسألوا أهل الذكر، اسألوا الأطباء. تكاد تكون الأمراض بمجملها بسبب الشدة النفسية، ويقع في رأس الشدة النفسية الشِرْك، والغفلة عن الله عزَّ وجل، فالذي يشرك شركاً خفياً ويغفل عن الله عزَّ وجل، يقع في شدةٍ نفسيةٍ خطيرة، وهذه الشدة النفسية من الثابت أنها تُضْعِف جهاز المناعة في الجسم، وأن جهاز المناعة مسؤولٌ عن مكافحة الأمراض الجرثومية والسرطانية. فالذاكر مناعته قويةٌ جداً، وما دامت مناعته قويةً جداً إذاً بعيدٌ عن الأمراض، وهذا معنى قول السلف الصالح: إن الذكر يقوّي القلب والبَدَن. يمكن أن تعزو أكثر أمراض القلب إلى الشدَّة النفسيَّة، يقوي القلب، ويمكن أن تعزو أكثر الأمراض الجرثومية والسرطانية إلى الشدة النفسية، فهذا الذي قال: إن ذكر الله عزَّ وجل يقول القلب والبَدَن أصاب كبد الحقيقة.
6 ـ يجعل الذاكر متألق الوجه :
أيها الأخوة الكرام:
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾
[ سورة التحريم: 8 ]
الذاكر متألِّق الوجه، متألق الوجه لأن نور الله في وجهه، لذلك قالوا: الذكر ينوِّر الوجه والقلب معاً. إذا نُوِّر قلبك صحَّت رؤيتك، ورأيت الحق حقاً، والباطل باطلاً، وإذا استنار وجهك كنت من أجمل الخَلْق ـ بعيداً عن شروط الجمال الموضوعيَّة ـ المؤمن متألِّق، تألُّق المؤمن من اتصاله بالله عزَّ وجل.
7 ـ يجلب الرزق :
ثم إن الذكر يجلِب الرِزق، قد يُحرم المَرْء بعض الرزق بالمعصية، فحينما تذكره كأن الله عزَّ وجل يقول لك:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[ سورة النساء: 147 ]
لماذا التضييق ؟ ولماذا الهَم ؟ ولماذا الغم ؟ ولماذا الحُزن ؟ إنه يجلِب الرزق، استقمت مع الله عزَّ وجل. وقد يُمتحن الإنسان برزقه لكن مِن مظانِّ ذكر الله عزَّ وجل أنه يجلِب الرزق، هناك أشياء كثيرة تحدثت عنها في خطبةٍ سابقة، ذكر الله عزَّ وجل يجلِب الرزق..
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾
[ سورة طه: 132 ]
صلة الرحم تزيد في الرزق، الاستغفار يزيد في الرزق، الاستقامة تزيد في الرزق، الإيمان والعمل الصالح يزيد في الرزق، وذكر الله عزَّ وجل يزيد في الرزق.
8 ـ يكسو الله الذاكر مهابة و حلاوة :
ثم إن الذاكر يكسوه الله مهابةً وحلاوةً ونضرةً، ومن هاب الله ذاكراً هابه كل شيء، ومن لم يهب الله بغفلته أهابه الله من كل شيء، المؤمن له هالة، له وقار، له مكانة، هذه جاءته باتصاله بالله عزَّ وجل، فهو يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة.
9 ـ يورث المحبة :
أيها الأخوة الكرام... الذِكْر يورث المحبَّة، التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذِكر. إن أردت أن يحبك الله عزَّ وجل فأكثر من ذكره، لكل شيء سبب، إن أردت محبة الله عزَّ وجل فأكثر من ذكر الله عزَّ وجل. وفي بعض الأثر: " إن أردتم رحمتي فاذكروني ". إن أردت رحمة الله عزَّ وجل اذكره كثيراً، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب : 41]
10 ـ يفضي بالإنسان إلى مراقبة الله :
أيها الأخوة الكرام... إن الذكر يُفْضي بك إلى المُراقبة، والمراقبة تفضي بك إلى الإحسان، والإحسان أعلى مراتب الإيمان ؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كأن مفتاح المراقبة أن تذكر الله، والمراقبة مفتاح أن تكون محسناً، والإحسان أعلى مراتب الإيمان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لعل الإحسان نورٌ يقذفه الله في القلب كما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ـ
11 ـ يورث الإنابة وهي الرجوع إلى الله عزَّ وجل :
والفائدة الحادية عشرَة للذكر: أنه يورث الإنابة وهي الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فمتى أكثرت الرجوع إليه بذكره أورثك هذا الرجوع إنابةً دائمةً إليه، هذا..
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
[ سورة سبأ : 9]
بذكر الله عزَّ وجل ترجع إليه في كل شيء، في كل موقف، في كل موضوع، في كل نشاط، في كل حركة ؛ ترجع إلى أمر الله عزَّ وجل لأنك ذاكر ولست بغافل.
12 ـ يورث القرب من الله تعالى :
والفائدة التي بعدها: أن الذكر يورث القُرب لله تعالى، فعلى قدر ذكرك لله تعالى يكون قربك منه، وكلَّما كنت من الله أقرب كنت أسعد الخلق، وعلى قدر الغفلة يكون البعد عنه. لذلك أكبر عقابٍ يعاقب به الإنسان أن يُحْجَبَ عن الله..
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[ سورة المطففين : 15]
وأكبر مكافأةٍ من الله ينالها الإنسان أن يكون قريباً من الله، قد يكون الإنسان في مِحْنةٍ شديدة، وفي عيشٍ خشن لكنه قريبٌ من الله عزَّ وجل، فهو أسعد الخلق، وقد يكون في بحبوحةٍ ماديةٍ لا توصف، وقلبه غافلٌ عن ذكر الله فهو أشقى الخلق، هذا الذي قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف "، صَدَق لأنه ذاق من طعم القُرب ما ذاق، فرأى النعيم كله في القرب من الله عزَّ وجل.
13 ـ يفتح أبواب المعرفة :
أيها الأخوة الكرام... إن الذِكر يفتح أبواباً عظيمةً من أبواب المعرفة، وكلما أكثرت من الذكر ازددت من المعرفة، إن صحَّ أن هناك معرفةً إشراقيةً هي ثمرة هذا الذِكر، وهذه المعرفة الإشراقية منضبطةٌ بالكتاب والسُنَّة. فلعلِّ الله عزَّ وجل يزيدك بذكر الله فهماً لكتابه، وفهماً لسنة رسوله، وإدراكاً للحِكَمِ التي وراء النصوص.
14 ـ يورث ذكر الله للإنسان :
أيها الأخوة الكرام... والفائدة التي بعدها إن ذكر الله عزَّ وجل - وهذه من أخطر الفوائد - يورث ذكر الله لك. فرقٌ كبير بين أن تذكره وبين أن يذكرك، إذا ذكرك أسعدك، إذا ذكرك فأنت أسعد الخلق ، إذا ذكرك وفَّقك، إذا ذكرك نصرك، إذا ذكرك نوَّر قلبك، إذا ذكرك ألقى في قلبك الأمن..
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[ سورة الأنعام : 81-82]
شتَّان بين أن تذكره وبين أن يذكرك، قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
أنت إن ذكرته التمست عفوه، إن ذكرته التمست مغفرته، إن ذكرته التمست القُرب منه، أما إذا ذكرك ألقى الأمن في قلبك، إذا ذكرك وفَّقك في زواجك، إذا ذكرك أنطقك بالحق، إذا ذكرك كان عُمُرك مباركاً ؛ قمت في هذا العمر المحدود بأجلِّ الأعمال، حتى إن الله عزَّ وجل - وهذا تعلمونه جميعاً -ـ أقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[ سورة الحجر : 72]
لماذا أقسم الله بعمر النبي ؟ لأن هذا العمر فعل فيه الشيء الذي لا يوصف ؛ كان سبب هداية البشرية، وحجمك عند الله أنت أيها الأخ الكريم - وأنا معك - بحجم عملك الصالح، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فكلما ازددت قرباً من الله، أجرى الله على يديك العمل الصالح.
أيها الأخوة الكرام... العمل الصالح سبب الجنة..
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة النحل : 32]
15 ـ يورث حياة القلب :
وذكر الله عزَّ وجل يورث حياة القلب، قال بعض العلماء: الذكر للقلب مثل الماء للسَمَك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟
وهذا مثلٌ بليغٌ أيها الأخوة، ذكر الله لنا كالماء ونحن السَمَك، فإذا فارقنا الماء بدأ الاضطراب، وبدأت المنازعات، والخصومات، والأحقاد، والحروب، والعدوان، كل مشكلات البشر من بعدهم عن الله عزَّ وجل، بل إن كل ما يعانيه أهل الأرض هي أعراض البُعد عن الله عزَّ وجل، بل هي أعراض الإعراض عن الله عزَّ وجل.
وقال بعض العلماء: " الذكر قوت القلوب، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته ".
أنت جسمٌ يحتاج إلى طعامٍ وشراب - ثلاث وجبات يومية - وأنت نفسٌ تحتاج إلى ذكر. العقل يحتاج إلى علم، والقلب يحتاج إلى ذِكر، والجسم يحتاج إلى طعامٍ وشراب، أغذيةٌ ثلاثة إذا قصَّرت بواحدٍ منها اختلت حياتك، إذا قصَّرت بالذكر تصحَّر قلبك، وإذا قصَّرت بالعِلم جَفَّ عقلك، وإذا قصَّرت بالطعام والشراب ضعُف جسمك، أنت بحاجةٍ إلى غذاءٍ للجسم، وغذاءٍ للعقل، وغذاءٍ للقلب، غذاء القلب ذكر الله..
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[ سورة الرعد : 28]
وغذاء العقل العلم الصحيح المستنبط من الوحي، وغذاء الجسم الطعام والشراب.
16 ـ يورث جلاء القلب من صدئه :
والذكر أيها الأخوة يورث جلاء القلب من صَدَئِهِ، كما قال عليه الصلاة والسلام:
((إن هذه القُلُوبَ تَصْدَأ كما يَصْدَأ الحديد، قيل فما جلاَؤها؟ قَالَ: ذكْرُ الله))
[ مجمع الأمثال ]
الإنسان أحياناً يعاني من ضيق في قلبه، من سَأَم، من ضَجَر، من تشاؤم، من سوداوية، من انقباض، هذه أعراض الغفلة عن الله عزَّ وجل.
17 ـ يزيل الوحشة بين العبد وربِّه :
ثم إن الذكر أيها الأخوة يزيل الوحشة بين العبد وربِّه، فالغافل بينه وبين الله وحشة لا تزول إلا بالذِكْر، وأسعد الناس هو الذي بينه وبين الله اتصال، والعلاقة بين الله وبينه عامرة..
فلـيتك تحـلو و الحيـاة مريـــــــــرةٌ و ليتك ترضى والأنامُ غِضابُ
وليت الذي بيني و بينك عـامــرٌ و بيني وبيـن العالمين خــرابُ
إذا صحَّ منك الوصل فالكل هينٌ وكـل الذي فوق الترابِ تـــــرابُ
***
18 ـ ذكر الله ينفع حين الشّدة :
أيها الأخوة... إنك إن ذكرت الله عزَّ وجل حمدته، وسبَّحته، ووحدَّته ذكرك عند الشدة، فقد ورد في الحديث الشريف:
((الذين يذكرون من جلال الله وتسبيحه وتكبيره وتحميده ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن))
[ تخريج أحاديث الإحياء عن النعمان بن البشير ]
أيْ أن ذكرك لله عزَّ وجل ينفعك حين الشدة. وإن العبد إذا تعرَّف إلى الله بذكره في الرخاء عرفه في الشدة.
19 ـ ينجي من عذاب الله تعالى :
وإن الذكر ينجي من عذاب الله تعالى كما قال معاذ رضي الله عنه، ويروى مرفوعاً:
((ما عمل آدميٌ عملاً أنجى من عذاب الله عزَّ وجل من ذكر الله تعالى))
[ الدر المنثور في التفسير بالمأثور عن جابر ]
20 ـ الذكر سبب تنزيل السكينة وغشيان الرحمة :
الذكر سبب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة للذاكر ـ كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ـ.
21 ـ يبعد الإنسان عن الغيبة و النميمة :
وذكر الله عزَّ وجل سببٌ يبعدك عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفُحش، والباطل، فإن العبد لابدَّ له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله عزَّ وجل وذكر أوامره، تكلَّم بهذه المحرَّمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة البتَّة إلا بذكر الله تعالى.
أيها الأخوة الكرام... هذه قاعدة: " نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر ". لابدَّ من أن تتكلَّم، فإذا وطَّنت نفسك أن تذكر الله في كل مجلس، الذكر الدَعَوِي ؛ تشرح آية، تشرح حديثاً، تشرح حكماً فقهياً، قصَّة عن أصحاب رسول الله، آية كونية، شيئاً يقرِّب من الله. إن لم تذكر الله لابدَّ من أن تذكر الناس بعيوبهم، ونقائصهم، وقعت في الغيبة، والنميمة، والفُحش، والمحاكاة، وآفات اللسان كلها. لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال:
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة]
مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين..
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة المؤمنون : 1-3]
22 ـ الذاكر يسعد و يسعد به جليسه :
الذاكر يسعد، ويسعد به جليسه، لذلك لا تصاحب من لا يرقى بك إلى الله حاله، ويدلُّك على الله مقاله، من أين جاء هذا الحال ؟ من الاتصال بالله عزَّ وجل، سيدنا حنظلة جلس يبكي، فرآه الصديق عليه رضوان الله فقال: ما لك يا حنظلة تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى. فانطلقا إلى رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام:
((إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ))
[ كنز العمال عن عطاء]
((يا حنظلة لو أنكم كنتم أبدا على تلك الحالة لصافحتكم الملائكة في الطريق وعلى فراشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ))
[مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ]
إذاً الذاكر له حال، وهذا الحال كالنور له إشعاع. فالذاكر يسعد بذكره ويُسعد جليسه بذكره.
23 ـ الذاكر يأمن من الحسرة يوم القيامة :
والذاكر يأمن من الحسرة يوم القيامة، فإن كل مجلسٍ لا يُذكر الله فيه حسرةً على أصحابه.
((ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون اللّه فيه إلاَّ قاموا عن مثل جيفة حمارٍ وكان عليهم حسرة))
[أبو داود عن أبي هريرة ]
الحسرة التي تتأتَّى من الغفلة عن الله يتلافاها الذاكر. والاشتغال بالذكر سبب عطاء الله عزَّ وجل، لقول الله عزَّ وجل في الحديث الصحيح:
((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))
[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]
24 ـ الذكر أيسر العبادات وأجلّها وأفضلها :
ثم إن الذكر أيسر العبادات وهو من أجلِّها وأفضلها، حركة اللسان أخفُّ حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرَّك عضوٌ من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة اللسان لشقَّ ذلك عليه، فأنت بذكر الله، بالدعوة إلى الله، بتبيين الحق، بالنصح، بإرشاد المسلمين، ببيان أحكامهم الفقهية أنت ذاكر، تذكر ذكراً تعبدياً، وذكراً دَعَوِيَّاً.
أيها الأخوة الكرام... هذا الذكر فوائده لا تحصى، عدَّ بعض العلماء للذكر مئة فائدة، وهذه بعضها.
فيا أيها الأخوة الكرام... طبِّقوا قول الله عزَّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾
[ سورة الأحزاب : 41-43]
أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني. والحمد لله رب العالمين
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من يدخل الجنة بغير حساب أو عذاب :
أيها الأخوة الكرام... عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال:
((عُرِضَت عليَّ الأمم فرأيت النبيّ ومعه الرُهَيْط - الرهط عدد دون العشرة - والنبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد - من أنبياء الله - إذ رفع إليَّ سوادٌ عظيمٌ فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى صلى الله عليه وسلَّم وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سوادٌ عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سوادٌ عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب - ولعلماء الحديث شرحٌ طويل لمعنى ـ يدخلون الجنة بغير حساب - ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ))
[ مختصر تفسير ابن كثير عن ابن عباس ]
أحياناً طالب يؤدي إجابةً تامة فيعطى علامةً تامة، أما هذا السلم التفصيلي - ربع علامة، ونصف علامة - هذا للمقصِّرين، أما حينما أدى الإجابة التامة نال علامةً تامة فحسابه يسير.
فقال بعضهم: " لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال بعضهم: لعلهم الذين وُلِدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء وأشياء" فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقال: ما الذي تخوضون فيه ؟ فأخبروه، فقال:
((هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكَّلون))
[ مختصر تفسير ابن كثير عن ابن عباس ]
أي عرفوا الله فتوكلوا عليه وتركوا ما سواه، أي هؤلاء الموحِّدون، هؤلاء الذاكرون، هؤلاء الذين عرفوا أن الله هو كل شيء، وأن كل السعادة بقربه، وأن كل الشقاء بالبُعد عنه، هؤلاء الذين أخلصوا دينهم لله، هؤلاء الذين لسان حالهم..
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[ سورة الأنعام : 162]
هؤلاء الذين بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس بطاعة ربهم، هؤلاء الذين أحبّوا ربهم، وأخلصوا له، وخدموا عباده، ولهج لسانهم بذكره، قال:
((هؤلاء لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون وهم على ربهم يتوكلون، فقام عكَّاشة بن محصٍ فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم ؟ فقال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكَّاشة ))
[الدر المنثور في التفسير بالمأثور ]
هذا الحديث أيها الأخوة يلقي في القلب طمأنينةً، يلقي في القلب ثقةً بأن الله جل جلاله لن يضيع هذه الأمة، ولو كانت في محنة الآن، الآن في محنة كبيرة جداً.
أردت من هذا الحديث أن ترتفع المعنويات قليلاً، إن الله عزَّ وجل لن يتخلَّى عن هذه الأمة، ولن يضيِّع هذه الأمة، ولكن نحتاج إلى أن نكون معه حتى يكون معنا، كن مع الله ترَ الله معك.
الدعاء :
اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها مَعاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خَير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أساس شكر نعم الله تعالى

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 8:56 pm

موت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان :
أيها الأخوة المؤمنون... في سلسلة الخُطَب التي كان محورها: ذكر الله عزَّ وجل انطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله وما والاه))
[رياض الصالحين عن أبي الدرداء ]
وهذا الخطبة الأخيرة في موضوع الذكر.
أيها الأخوة الكرام: كل عضوٍ في الإنسان، وكل جهازٍ خلِقَ لفعلٍ ما؛ فالعين من أجل أن تُبْصِر، والأذن من أجل أن تسمع، واللسان من أجل أن ينطق، واليد من أجل أن تبطش، أو أن تعطي، أو أن تمنع، والرجل من أجل أن تمشي، كمال هذا العضو، وذاك الجهاز في أداء مهمَّته، فإن امتنعت العين عن أن ترى فقد أصيبت بالعمى، أو امتنعت الأذن عن أن تسمع أدق الكلام فقد مرضت، وهذا القلب الذي في صدر الإنسان ما مهمته؟ إذا كان لكل عضوٍ، ولكل جهازٍ مهمته، كماله بأداء مهمته، ونقصه أو موته بضعفه، أو انعدام أداء مهمته، فما مهمة القلب؟ القلب أيها الأخوة حينما يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، ويحبُّه، ويشتاق إلى لقائه، وينيبُ إليه، ويؤثر ذلك على كل شهوة، هذا القلب معنى ذلك أنه حي، وهو كامل، وقد يموت القلب، وموت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان؛ لا يعي على خير، ولا يتألَّم لقبيحٍ صَدَرَ منه، ولا يندم على جهلٍ حلَّ به.
أيها الأخوة الكرام... مرض القلب حينما يأتي الإنسان بقبيح فلا يتأثَّر، ولا يندم، ولا يراجع نفسه، فهذا له قلبٌ مريض، وحينما لا يندم على جهلٍ مقيم، ولا يسعى لعلمٍ يجري وراءه فقلبه أيضاً مريض.
أيها الأخوة الكرام... إذا كان القلب خالياً من معرفة الله، ومن محبته، ومن الإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والشوق إلى لقائه، إذا كان القلب خالياً من تلك الحظوظ عادت لذَّاته في الدنيا آلاماً، كيف؟ في أعماق الإنسان شعورٌ سمَّاه العلماء " القلقُ على فوت ما أنت فيه "، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان حينما يبتعد عن الله ويؤثر الدنيا، يأتيه من الدنيا آلامٌ لا تعدُّ ولا تحصى، أحد هذه الآلام قلقٌ على أن يخسر ما هو فيه، وهذا وحده أكبر مَبْعَثٍ للآلام، وشيءٌ آخر حينما يفوته ما هو أعظم، وهذا أيضاً ألمٌ كبير.
الذي يخلو قلبه من معرفة الله، ومحبته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه يمتلئ القلب قلقاً، وألماً، وحزناً، قلقاً على فوت ما هو فيه، وهذا وحده يُنَغِّص حياته، وندمٌ على ما فاته مما هو أعظم منه، فهذه المشكلة التي يعانيها معظم المُقَصِّرون، أو معظم الذين لهم قلبٌ ميت.
أخطر الأمراض الأمراض التي ليس لها أعراض :
أيها الأخوة الكرام... يقول الأطباء: إن أخطر الأمراض التي ليس لها أعراض؛ ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل قد يمرض القلب، ويشتد مرضه، ولا يعلم صاحبه بذلك، بل قد يموت القلب وصاحبه لا يشعر بموته، وهذا الكلام كلُّه من قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
ولعلَّ كل خُطَبِ الذِكْرِ التي سبقت هذه الخطبة من أجل أن يصلح القلب، وأن يكون مهبطاً لتجليَّات الله عزَّ وجل، إنه الثروة الأولى، إنه ذخر الإنسان.
أيها الأخوة الكرام... الإنسان حينما يأتي بقبائح الأفعال، ولا يتألم، ولا يندم، ولا يراجع نفسه، ولا يصحح، إن له قلباً ميتاً، والقلب الذي يكتشف جهله بموضوعٍ متعلِّقٍ بمصيره ولا يسعى لطلب العلم، قلبٌ ميتٌ أيضاً، علامة موت القلب ألا تتأثر لفعلٍ قبيحٍ تفعله، وألا تتأثَّر لجهلٍ حَلَّ بك، فحينما ينطلق الإنسان من معرفة الله، وحينما ينطلق الإنسان لتكميل نفسه، ففي صدره قلبٌ ينبض، إنه قلب النفس.
طريق الإيمان يعبره من أيقن بالآخرة و صبر على مكاره الدنيا :
شيءٌ آخر أيها الأخوة: إذا كان هناك مكانٌ آمن، وله طريقٌ مُخيف، ولابدَّ من اجتياز الطريق كي تصبح في أمنٍ شديد، مَن الذي يعبر هذا الطريق؟ من أيقن بالأمن المطلق وصبر على متاعب الطريق، لذلك لا يجتاز طريق الإيمان ولا يعبره إلا من اتسم بصفتين: اليقين بما بعد الموت، اليقين بالآخرة والصبر على مكاره الحياة الدنيا:
(( إن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ، وإن عمل النار سهلٌ بسهوةٍ))
[ الجامع لأحكام القرآن عن أنس ]
فحينما يستصعب الإنسان أن يسلك الطريق المُتْعِب كي يحظى بالسعادة العُظمى، فقد ضعفت همَّته عن أن يكون من الفائزين، وحينما لا يصبر الإنسان على هذه المكاره، ولا يوقن بالنتائج، أنَّى له أن يسير في هذا الطريق ؟.
أكبر خطرٍ يواجه المسلم الركون إلى الأكثرية في مجتمعه :
أيها الأخوة الكرام... الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾
[ سورة النساء : 69]
فهو كما قال الله عزَّ وجل:
﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾
[ سورة النساء : 69]
أيها الأخوة الكرام... أكبر خطرٍ يواجه المسلم أن يركن إلى الأكثرية في مجتمعه، الأكثرية قد تكون شاردة عن الله، الأكثرية قد تكون ليست على ما يُرضي الله، فمن ركن إلى الأكثرية ممن حوله فقد ضعف عقله.
هناك حقيقةٌ لابدَّ أن أضعها بين أيديكم، أحد العلماء سُئلَ عن مسألةٍ فأجاب، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك، فقال هذا العالم: " ما ظننت أن أحداً يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة، فإن الحق إذا لاح وتبيَّن لم يحتج إلى شاهدٍ يشهد به ".
أي أن الإنسان حينما يرى أشعة الشمس ساطعة، لا يحتاج أبداً إلى من يشهد له على سطوعها، أنت حينما تكون مغموراً بمياه البحر، كل خليةٍ في جسمك تَنْعُم بماء البحر؛ بصرك، وسمعك، تسمع صوت موجه، وترى زرقة مائه، وتشم رائحة المِلح فيه، وجسمك مغمورٌ فيه، أنت لست بحاجةٍ على مَن يشهد لك على ما أنت فيه.
الجماعة التي ينبغي على المسلم لزومها :
أيها الأخوة الكرام... جاء في بعض الكتب بلزوم الجماعة، فمن هي الجماعة التي ينبغي أن تلزمها؟ قال العلماء: إنه الحق وأتباعه ـ هذه هي الجماعة ـ كثروا أم قلوا، لذلك كان المتمسك به قليلاً، والمخالف له كثيراً، أنت مع الجماعة أي مع الحق وأتباع الحق، ولو كانوا قلةً، فليست الجماعة معناها الكثرة، بل معناها أن تكون مع الحق وأهله، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي الجماعة التي أُمِرْنا أن نَلْزَمَها، فإذا الجماعة ابتعدت عن جماعة رسول الله وأصحابه، وما كان عليه السلف الصالح فهذه الكثرة ليست بالجماعة..
﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾
[ سورة النجم:28]
قال بعض العلماء: " صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التُراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، وإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوماً من الأيام يقول: سيلي عليكم ولاةٌ يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدِّثوننا؟! قال: وما ذاك؟ قال: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا،ـ قال: جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك.
وفي طريقٍ أخرى فضرب على فخذي وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عزَّ وجل.
(( أي إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه جماعة النبي عليه الصلاة والسلام والذين من بعده، والذين من بعده، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ))
[ ذكره البيهقي عن ابن مسعود ]
وروى أبو شامة عن مبارك عن الحسن البَصْري قال: "الجماعة هي السنة، والذي لا إله إلا هو الجماعة هي السنة بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله عزَّ وجل، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الترف في ترفهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى ".
أيها الأخوة الكرام... يقول محمد بن أسلم الطوسي، المتفق على إمامته مع رُتْبَتِهِ، وكان أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال: " ما بلغني عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم شيءٌ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكباً، فما مُكِّنت من ذلك "، فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث:
((...إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم ))
[ من كشف الخفاء عن أنس ]
طبعاً يصف النبي عليه الصلاة والسلام أمته أنها معصومةٌ من بعده بمجموعها لا بأفرادها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ بمفرده، من هم السواد الأعظم؟ فقال: السواد الأعظم الذي عرف السنة ودعا إليها، وهو الإجماع وهو السواد الأعظم.
معرفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والعمل بها، من يفعل هذا هو السواد الأعظم الذي أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نكون معه، ومعرفة سنة النبي هي سبيل المؤمنين، التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
أيها الأخوة الكرام... كن مع الحق حيثما دار، ولا تعبأ بالكثرة، فالكثرة أحياناً ليست مع الحق..
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام: 116 ]
﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾
[ سورة النجم:28]
أكثر الناس يقول لك: قارَّات بأكملها، شعوب بأكملها، ألوف الملايين تفعل هذا، كيف تحرِّمه أنت؟ من قال لك إن هذه الكثرة الكافرة هي الحق؟ الحق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ولو كان قليلاً.
علامات أمراض القلوب :
أيها الأخوة الكرام... من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار، هناك أربعة أمور؛ غذاءٌ نافع، ودواءٌ شافٍ، وغذاءٌ ضار، وداءٌ مهلك.
الغذاء النافع هو الإيمان..
(( ماذا ينجي العبد من النار يا رسول الله ؟ قال: الإيمان بالله تعالى، قال: مع الإيمان عمل ؟ قال: نعم أن تعطي مما أعطاك الله ))
[المعجم الكبير للطبراني عن مالك بن مرثد ]
الإيمان هو المنجي، والقرآن هو الشفاء، إذا كان العسل كما ورد في القرآن الكريم شفاء الأجسام، فالقرآن الكريم شفاء الأرواح.
علامة صحة القلب :
1 ـ أن يؤمن الإنسان بالآخرة إيماناً يقينياً :
الإمام عليٌ كرم الله وجهه يقول: " إن الدنيا قد ترحَّلت مدبرةً، وإن الآخرة قد ترحَّلت مقبلةً، ولكلٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل، وكلما صح القلب من مرضه ترحَّل إلى الآخرة، وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها ".
بربك لو أنك أزمعت السفر لمكانٍ بعيد، قبل أسبوعٍ من السفر كل تصوراتك، وكل اهتماماتك، وكل خواطرك، وكل مشاعرك مع البلد الذي أنت ذاهبٌ إليه، هذا معنى قول العلماء: كن من أبناء الآخرة. أنت في الدنيا، ولكن أيّ عملٍ تفعله يا ترى ماذا أجيب الله عنه؟ هل يرضاه الله مني؟ هل يؤاخذني عليه؟ هل يبعدني عنه؟ هل يكون هذا العمل سبباً لدخول الجنة؟ هذا معنى: كونوا من أبناء الآخرة، أنت بمشاعرك، وأفكارك، وخواطرك، وهواجسك تعيش الآخرة، كل شيءٍ في حياتك الدنيا تقيسه بمقياس الآخرة، هذا معنى قول الإمام علي: " كونوا من أبناء الآخرة. "
كما أنك لو أردت أن تسافر إلى بلدٍ بعيد، قبل أسبوعٍ، يوم تعقد نيَّة السفر، كل خواطرك، كل مشاعرك، كل كتاباتك؛ قوائم أعمال، قوائم حاجات، تتابع الأمور واحدة واحدة، هكذا أنت أصبحت في هذا البلد البعيد، ولازال جسمك في بلدك، أنت إذاً من أبناء ذلك البلد.
وحينما نؤمن بالآخرة إيماناً يقينياً، وحينما ننطلق ساعين إليها دون أن نشعر ؛ هواجسنا، مشاعرنا، عواطفنا، فكرنا، قراءتنا، لقاءاتنا، ندواتنا، حفلاتنا، كل نشاطاتنا متعلقةٌ بالآخرة، هذا معنى: كونوا من أبناء الآخرة.
إذا كنت من أبناء الآخرة فهذه علامة صحة القلب، وإن كانت كلُّ المشاعر في الدنيا، وفي حطام الدنيا، وفي مكاسب الدنيا، وفي مباهج الدنيا، وفي الشهوات في الدنيا، إذا كانت كل المشاعر في الدنيا فأيضاً هذه حالةٌ لا تُرْضي، إنك من أبناء الدنيا.
2 ـ إلحاح العبد على نفسه حتى ينيب إلى الله و يتعلق به :
أيها الأخوة الكرام... من علامات صحة القلب أن العبد لا يزال يلحُّ على نفسه حتى ينيب إلى الله عزَّ وجل، وحتى يُخْبِتَ إليه، وحتى يتعلَّق به، وحتى يتشوَّق إلى لقائه، فلا حياة، ولا فلاح، ولا نعيم، ولا سرور إلا برضا الله عزَّ وجل، وقربه، فذكره قوته، وغذاؤه ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه ولذَّته وسروره، والالتفات إلى غيره، والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل هذا سكن القلب واطمأن، وزال عنه ذلك الاضطراب والقلق، وانسدَّت تلك الفاقة.
أيها الأخوة الكرام... دققوا في هذه الكلمات أنا أقولها كثيراً: إن في القلب فاقةً لا يسدها شيءٌ سوى الله تعالى، ولو كنت غنياً، ولو كنت قوياً، ولو كنت صحيحاً، ولو كنت ذا مالٍ وبنين، ولو كان لك شأنٌ عظيم، في القلب فاقة لا يسدها إلا الله عزَّ وجل، وفيه شعثٌ لا يلمّه غير الإقبال عليه، وفيه مرضٌ لا يشفيه إلا الإخلاص له، وعبادته وحده، فهو دائماً يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، حينئذٍ يشعر بالحياة تدبُّ في روحه.
أيها الأخوة الكرام... قال بعض العارفين: " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعُّم بذكره وطاعته".
وقال آخر: " إنه ليمر بي أوقاتٌ أقول فيها إذا كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم لفي عيشٍ طيب ".
فكلمةٌ من القلب إلى القلب؛ يجب أن تقول: واللهِ ليس في الأرض أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، أنت مع الله، أنت مع الخالق، أنت مع الرحيم، أنت مع الودود، أنت مع الغني، أنت مع القوي، أنت مع القادر، أنت مع الذي خلقك من أجله.
أيها الأخوة الكرام... هذا سر السعادة، وقال آخر: " والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا طابت الجنة إلا برؤيته ومشاهدته".
أيها الأخوة... وقال بعضهم: " حياة القلب في ذِكْر الحيّ الذي لا يموت، والعيش الهنيء مع الله تعالى لا غير، ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشدَّ عليهم من الموت، لأن الفوت انقطاعٌ عن الحق، والموت انقطاعٌ عن الخَلْق ". الفوت عند من يعرف الله عزَّ وجل أشدّ عليه من الموت، بالموت ينقطع عن الخلق، أما بالفوت فينقطع عن الحق، بل إن أشدَّ عذابٍ يعذَّب به المؤمن فتور علاقته مع الله عزَّ وجل.. " يا رب عصيتك فلم تعاقبني؟ قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي؟ " حينما تكون العلاقة بينك وبين الله عامرة، حينما تتودَّد إلى الله بطاعته، حينما تخطب ودَّ الله، أنت إنسانٌ آخر، لا تتأثَّر بما يتأثَّر به الآخرون، لا تتألم بما يؤْلِم الناس، لا تطمح بما يطمح إليه الناس، لا تنضغط بما ينضغط به الناس، لا تتمزَّق بما يمزِّق الناس، إنك إنسانٌ آخر، إن لك معاملةً خاصةً عند الله عزَّ وجل.
أيها الأخوة الكرام... من قرَّت عينه بالله تعالى، قرَّت به كل عين، أنت حينما تحب الله عزَّ وجل يلقي الله حُبَّك في قلوب الخلق، من قرَّت عينه بالله تعالى قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى تقطَّع قلبه على الدنيا حسرات.
وقال يحيى بن معاذ: " من سرَّ بخدمة الله، سُرَّت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرَّت عينه بالله عزَّ وجل، قرَّت عيون كل أحدٍ بالنظر إليه ".
3 ـ ألا يفتر عن ذكر الله :
الآن أيها الأخوة... من علامات صِحَّة القلب - هذا كلامٌ خطير - هناك أحكامٌ شرعيةٌ تملأ الكتب، وهي بين أيدي الناس، ومجال في أي لقاء، ولكن هذا القلب الذي قال الله عنه:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
هذا القلب هو ثمن الجنة، من علامات صحة القلب ألا يفتر عن ذكر الله، وألا يسأم من خدمة خَلْقِه، وألا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذكِّره بأمره ونهيه.
4 ـ الألم الشديد لفوات ورد يقوله :
ومن علامات صحة القلب أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً عظيماً، أعظم من تألُّم الحريص بفوات ماله وفقده.
5 ـ الاشتياق إلى خدمة الخلق :
ومن علامات صحة القلب أنه يشتاق إلى خدمة الخَلْق كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.
6 ـ ذهاب الغم و الهم عند الدخول في الصلاة :
ومن علامات صحة القلب أنه إذا دخل في الصلاة، ذهب عنه همه وغمه في الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام:
((أرحنا بها يا بلال))
[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]
لا كما لسان حال بعض المصلين " أرحنا منها "، وفرقٌ كبير بين أرحنا بها وأرحنا منها.
7 ـ أن يكون همه واحداً و هو الله :
ومن علامات صحة القلب أن يكون همُّه واحداً، وهو الله.. " من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ".. " اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها "
((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))
[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]
8 ـ أن يكون أشحَّ بوقته من أن يذهب ضائعاً :
ومن علامات صحة القلب أن يكون أشحَّ بوقته من أن يذهب ضائعاً من أشدّ الناس شحاً بماله، الوقت وعاء عملك، الوقت هو أنت، الوقت هو رأسمالك الوحيد، لذلك المؤمن ينفق وقته بترشيدٍ رائع، لا يسمح لشيءٍ تافه أن يقتنصه، لا يسمح لمشكلةٍ طارئةٍ أن تمتلكه، لا يسمح لقضيةٍ فائتةٍ أن تشغله عن الله عزًّ وجل، لا يسمح للدنيا أن تُنسيه الآخرة، لا يسمح لهمّ شديد أن يبعده عن الله عزَّ وجل..
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
[ سورة الفرقان: 63 ]
أيها الأخوة الكرام... إنفاق الوقت مهمٌ جداً، كم من سهرةٍ يمضيها الناس في القيل والقال؟ في الغيبة والنميمة؟ كم من وقتٍ يمضى وراء الشاشة بلا طائل، بلا فائدة، بلا جدوى، بلا نَفْع !.
أيها الأخوة الكرام... من علامة نجاح الإنسان أن يُرَشِّد استهلاك وقته.
9 ـ الاهتمام بتصحيح العمل أكثر مما يهتم بالعمل نفسه :
من علامات صحة القلب أن يهتم بتصحيح العمل أكثر مما يهتم بالعمل نفسه، العمل..
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾
[ سورة الفرقان: 23 ]
يؤتى يوم القيامة بأناس ـ والله هذا الحديث يقصم الظهر:
((لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَة بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً، قَالَ ثُوْبان: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا؟ جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا َنَعْلَمُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا))
[ ابن ماجة عن ثوبان ]
لا تعبأ بحجم العمل بل اعبأ بصحة العمل، لا تعبأ بشهرةٍ عريضة، اعبأ بعملٍ متقبلٍ عند الله عزَّ وجل، لا تعبأ بالتألُّق، اعبأ أن تكون عند الله متألقاً، لا تعبأ بمقاييس البشر، اعبأ بمقاييس القرآن عزَّ وجل..
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[سورة الأنفال: 2 ]
أن يجدك عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، اتقِ الله تكن أعبد الناس.
10 ـ صدق الخفاء و محبة عدم الشهرة و الخلوة بالله :
أيها الأخوة الكرام... هذا الذي همّه هو الله، وحبُّه كله لله، وقصده لله، وبدنه لله، وأعماله لله، ونومه لله، ويقظته لله، وحديثه، والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم حول مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخُلطة، إلا حيث تكون الخلطة أحب إلى الله عزَّ وجل، قرَّت عينه به، واطمأن قلبه إليه، فهو كلما وجد في نفسه التفاتاً إلى غيره تلا عليها قوله تعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
[ سورة الفجر : 27-28]
أيها الأخوة الكرام... أخ كريم قال لي: ذهبت إلى طبيبٍ نفسي فقال لي: مرضك أنك تشعر أن الله ليس راضٍ عنك، أقم بينك وبينه حواراً، ادعُه، ناجه، وهذا هو علاجك.
قلت: والله أنعِم بهذا من طبيب، هذا طبيب القلوب، مشكلة الإنسان بعده عن الله، وكل ما يعانيه المجتمع المسلم هي أعراض مرضٍ واحد، هي أعراض الإعراض عن الله عزَّ وجل، القلق، الخوف، الحسد، الكلام الفارغ، العدوان، هذا كله من علامات البُعد عن الله عزَّ وجل، فإذا كنت مع الله كان الخُلُق الذي تتخلَّق به أعلى خُلُق، السيدة عائشة سئلت عن خلق رسول الله فقالت: "كان خُلُقه القرآن"، بل إن بعضهم يقول: النبي قرآنٌ يمشي، قرآن؛ بعفوه، ومسامحته، وصدقه، وأمانته، ومحبَّته، وإخلاصه.
أنواع النفس :
أيها الأخوة الكرام... بقي أن هناك نفساً مطمئنةً اطمأنت إلى رحمة الله، وإلى طاعته، وهناك نفسٌ أمارةٌ بالسوء، لم يقل الله عزَّ وجل: نفسٌ آمرةٌ بالسوء، بل أمَّارةٌ بالسوء، ونفسٌ لوَّامة، فإن لم نكن مع الزمرة الأولى فلنكن مع الزمرة الثانية..
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[ سورة القيامة : 1-2]
هذه النفس التي تحاسب ذاتها كل يوم؛ لمَ قلت هذه الكلمة؟ لمَ نظرت هذه النظرة؟ لمَ ابتسمت هذه الابتسامة؟ لمَ أعطيت زيداً ولم تعط عُبيداً؟ لمَ هججت بفلان ولم ترحِّب بفلان؟ هذا الذي يحاسب نفسه كل يومٍ حساباً عسيراً؛ نفسه لوامة، وقد أثنى عليها الله عزَّ وجل، والأعلى من اللوَّامة أن تكون مطمئنةً إلى الله عزَّ وجل بسبب انضوائها في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشّرّ يبدأ من النّفس و ينقلب إلى عمل سيئ يستلزم العقاب :
أيها الأخوة الكرام... من أدعية النبي صلى الله عليه وسلَّم:
((الحمد لله نستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا))
[ من مختصر تفسير ابن كثير ]
استنبط بعض العلماء من هذا الدعاء أن النفس حينما تمتلئ بعداً عن الله، وشهوةً إلى الدنيا، السوء يبدأ من النفس، وينقلب إلى عمل، والعمل السيّئ يلزمه علاجٌ من الله عزَّ وجل. سوءٌ من النفس، وعملٌ سيّئ وعقابٌ من الله عزَّ وجل، " نعوذ بالله من شرور أنفسنا " التي تستلزم سيئات أعمالنا، وسيئات أعمالنا تستلزم عقاب الله عزَّ وجل.
في المسند والترمذي من حديث حصين بن عبيد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال له:
((يا حصين، كم تعبد؟ - هو من أهل الشرك - قال: سبعةً، ستةً في الأرض وواحداً في السماء - قال: فمن الذي تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: أسلم حتى أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بها، فأسلم فقال: قل: اللهمَّ ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي))
[ الترمذي عن عمران بن حصين]
الشر يبدأ من النفس، شهوةٌ خفيَّة، هذه الشهوة قد تحيد عن منهج الله، تنقلب إلى عمل، وحينما حادت الشهوة عن منهج الله وانقلبت إلى عمل يجب أن يكون العمل عدوانياً، وحينما يكون العمل عدوانياً لابدَّ من أن يعاقب الله هذا الإنسان، إذاً شرٌ في النفس، انقلب إلى عملٍ سيِّئ، والعمل السيّئ انقلب إلى عقابٍ في الدنيا أو في الآخرة، أو في كليهما.
أيها الأخوة... استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من شر النفس عموماً، ومِن شر ما يتولَّد منها من الأعمال، ومِن شر ما يترتَّب على ذلك من المكاره والعقوبات، فجمع بين الاستعاذة من شر النفس ومن سيئات الأعمال.
يا أيها الأخوة الكرام... الأمور واضحةٌ جداً، والطريق إلى الله سالك، وميسَّر، وحينما تخطُب ود الله عزَّ وجل تجد كل شيءٍ في خدمتك، كل شيءٍ يدعوك إلى الله، الله عزَّ وجل يعطيك مُرَغِّبات، مشجِّعات، العبرة أن تعزم عزماً أكيداً صادقاً على أن تصطلح مع الله، أمره بيِّن، حلاله بيِّن، حرامه بيّن، الطريق إلى مودته بيّن، الطريق إلى محبته بيّن، الأمور واضحةٌ جداً، ولكن النفوس مُسَيْطِرَة.
أيها الأخوة الكرام... الناس رجلان؛ رجل مَلَك نفسه فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل آخر مَلَكَته نفسه فأهلكته في الدنيا والآخرة، كلمتان بين أن تملكها فتحملها على الحق، وتسعد بها في الدنيا والآخرة، وبين أن تملكك فتردك موارد الهلكة.
الدعاء :
اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها مَعاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خَير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين.
اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين


عدل سابقا من قبل Admin في الإثنين يناير 05, 2015 8:58 pm عدل 1 مرات
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أساس شكر نعم الله تعالى

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 8:57 pm

موت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان :
أيها الأخوة المؤمنون... في سلسلة الخُطَب التي كان محورها: ذكر الله عزَّ وجل انطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله وما والاه))
[رياض الصالحين عن أبي الدرداء ]
وهذا الخطبة الأخيرة في موضوع الذكر.
أيها الأخوة الكرام: كل عضوٍ في الإنسان، وكل جهازٍ خلِقَ لفعلٍ ما؛ فالعين من أجل أن تُبْصِر، والأذن من أجل أن تسمع، واللسان من أجل أن ينطق، واليد من أجل أن تبطش، أو أن تعطي، أو أن تمنع، والرجل من أجل أن تمشي، كمال هذا العضو، وذاك الجهاز في أداء مهمَّته، فإن امتنعت العين عن أن ترى فقد أصيبت بالعمى، أو امتنعت الأذن عن أن تسمع أدق الكلام فقد مرضت، وهذا القلب الذي في صدر الإنسان ما مهمته؟ إذا كان لكل عضوٍ، ولكل جهازٍ مهمته، كماله بأداء مهمته، ونقصه أو موته بضعفه، أو انعدام أداء مهمته، فما مهمة القلب؟ القلب أيها الأخوة حينما يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، ويحبُّه، ويشتاق إلى لقائه، وينيبُ إليه، ويؤثر ذلك على كل شهوة، هذا القلب معنى ذلك أنه حي، وهو كامل، وقد يموت القلب، وموت القلب أخطر شيءٍ في حياة الإنسان؛ لا يعي على خير، ولا يتألَّم لقبيحٍ صَدَرَ منه، ولا يندم على جهلٍ حلَّ به.
أيها الأخوة الكرام... مرض القلب حينما يأتي الإنسان بقبيح فلا يتأثَّر، ولا يندم، ولا يراجع نفسه، فهذا له قلبٌ مريض، وحينما لا يندم على جهلٍ مقيم، ولا يسعى لعلمٍ يجري وراءه فقلبه أيضاً مريض.
أيها الأخوة الكرام... إذا كان القلب خالياً من معرفة الله، ومن محبته، ومن الإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والشوق إلى لقائه، إذا كان القلب خالياً من تلك الحظوظ عادت لذَّاته في الدنيا آلاماً، كيف؟ في أعماق الإنسان شعورٌ سمَّاه العلماء " القلقُ على فوت ما أنت فيه "، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان حينما يبتعد عن الله ويؤثر الدنيا، يأتيه من الدنيا آلامٌ لا تعدُّ ولا تحصى، أحد هذه الآلام قلقٌ على أن يخسر ما هو فيه، وهذا وحده أكبر مَبْعَثٍ للآلام، وشيءٌ آخر حينما يفوته ما هو أعظم، وهذا أيضاً ألمٌ كبير.
الذي يخلو قلبه من معرفة الله، ومحبته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه يمتلئ القلب قلقاً، وألماً، وحزناً، قلقاً على فوت ما هو فيه، وهذا وحده يُنَغِّص حياته، وندمٌ على ما فاته مما هو أعظم منه، فهذه المشكلة التي يعانيها معظم المُقَصِّرون، أو معظم الذين لهم قلبٌ ميت.
أخطر الأمراض الأمراض التي ليس لها أعراض :
أيها الأخوة الكرام... يقول الأطباء: إن أخطر الأمراض التي ليس لها أعراض؛ ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل قد يمرض القلب، ويشتد مرضه، ولا يعلم صاحبه بذلك، بل قد يموت القلب وصاحبه لا يشعر بموته، وهذا الكلام كلُّه من قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
ولعلَّ كل خُطَبِ الذِكْرِ التي سبقت هذه الخطبة من أجل أن يصلح القلب، وأن يكون مهبطاً لتجليَّات الله عزَّ وجل، إنه الثروة الأولى، إنه ذخر الإنسان.
أيها الأخوة الكرام... الإنسان حينما يأتي بقبائح الأفعال، ولا يتألم، ولا يندم، ولا يراجع نفسه، ولا يصحح، إن له قلباً ميتاً، والقلب الذي يكتشف جهله بموضوعٍ متعلِّقٍ بمصيره ولا يسعى لطلب العلم، قلبٌ ميتٌ أيضاً، علامة موت القلب ألا تتأثر لفعلٍ قبيحٍ تفعله، وألا تتأثَّر لجهلٍ حَلَّ بك، فحينما ينطلق الإنسان من معرفة الله، وحينما ينطلق الإنسان لتكميل نفسه، ففي صدره قلبٌ ينبض، إنه قلب النفس.
طريق الإيمان يعبره من أيقن بالآخرة و صبر على مكاره الدنيا :
شيءٌ آخر أيها الأخوة: إذا كان هناك مكانٌ آمن، وله طريقٌ مُخيف، ولابدَّ من اجتياز الطريق كي تصبح في أمنٍ شديد، مَن الذي يعبر هذا الطريق؟ من أيقن بالأمن المطلق وصبر على متاعب الطريق، لذلك لا يجتاز طريق الإيمان ولا يعبره إلا من اتسم بصفتين: اليقين بما بعد الموت، اليقين بالآخرة والصبر على مكاره الحياة الدنيا:
(( إن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ، وإن عمل النار سهلٌ بسهوةٍ))
[ الجامع لأحكام القرآن عن أنس ]
فحينما يستصعب الإنسان أن يسلك الطريق المُتْعِب كي يحظى بالسعادة العُظمى، فقد ضعفت همَّته عن أن يكون من الفائزين، وحينما لا يصبر الإنسان على هذه المكاره، ولا يوقن بالنتائج، أنَّى له أن يسير في هذا الطريق ؟.
أكبر خطرٍ يواجه المسلم الركون إلى الأكثرية في مجتمعه :
أيها الأخوة الكرام... الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾
[ سورة النساء : 69]
فهو كما قال الله عزَّ وجل:
﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾
[ سورة النساء : 69]
أيها الأخوة الكرام... أكبر خطرٍ يواجه المسلم أن يركن إلى الأكثرية في مجتمعه، الأكثرية قد تكون شاردة عن الله، الأكثرية قد تكون ليست على ما يُرضي الله، فمن ركن إلى الأكثرية ممن حوله فقد ضعف عقله.
هناك حقيقةٌ لابدَّ أن أضعها بين أيديكم، أحد العلماء سُئلَ عن مسألةٍ فأجاب، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك، فقال هذا العالم: " ما ظننت أن أحداً يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة، فإن الحق إذا لاح وتبيَّن لم يحتج إلى شاهدٍ يشهد به ".
أي أن الإنسان حينما يرى أشعة الشمس ساطعة، لا يحتاج أبداً إلى من يشهد له على سطوعها، أنت حينما تكون مغموراً بمياه البحر، كل خليةٍ في جسمك تَنْعُم بماء البحر؛ بصرك، وسمعك، تسمع صوت موجه، وترى زرقة مائه، وتشم رائحة المِلح فيه، وجسمك مغمورٌ فيه، أنت لست بحاجةٍ على مَن يشهد لك على ما أنت فيه.
الجماعة التي ينبغي على المسلم لزومها :
أيها الأخوة الكرام... جاء في بعض الكتب بلزوم الجماعة، فمن هي الجماعة التي ينبغي أن تلزمها؟ قال العلماء: إنه الحق وأتباعه ـ هذه هي الجماعة ـ كثروا أم قلوا، لذلك كان المتمسك به قليلاً، والمخالف له كثيراً، أنت مع الجماعة أي مع الحق وأتباع الحق، ولو كانوا قلةً، فليست الجماعة معناها الكثرة، بل معناها أن تكون مع الحق وأهله، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي الجماعة التي أُمِرْنا أن نَلْزَمَها، فإذا الجماعة ابتعدت عن جماعة رسول الله وأصحابه، وما كان عليه السلف الصالح فهذه الكثرة ليست بالجماعة..
﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾
[ سورة النجم:28]
قال بعض العلماء: " صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التُراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، وإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوماً من الأيام يقول: سيلي عليكم ولاةٌ يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدِّثوننا؟! قال: وما ذاك؟ قال: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا،ـ قال: جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك.
وفي طريقٍ أخرى فضرب على فخذي وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عزَّ وجل.
(( أي إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه جماعة النبي عليه الصلاة والسلام والذين من بعده، والذين من بعده، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ))
[ ذكره البيهقي عن ابن مسعود ]
وروى أبو شامة عن مبارك عن الحسن البَصْري قال: "الجماعة هي السنة، والذي لا إله إلا هو الجماعة هي السنة بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله عزَّ وجل، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الترف في ترفهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى ".
أيها الأخوة الكرام... يقول محمد بن أسلم الطوسي، المتفق على إمامته مع رُتْبَتِهِ، وكان أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال: " ما بلغني عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم شيءٌ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكباً، فما مُكِّنت من ذلك "، فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث:
((...إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم ))
[ من كشف الخفاء عن أنس ]
طبعاً يصف النبي عليه الصلاة والسلام أمته أنها معصومةٌ من بعده بمجموعها لا بأفرادها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ بمفرده، من هم السواد الأعظم؟ فقال: السواد الأعظم الذي عرف السنة ودعا إليها، وهو الإجماع وهو السواد الأعظم.
معرفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والعمل بها، من يفعل هذا هو السواد الأعظم الذي أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نكون معه، ومعرفة سنة النبي هي سبيل المؤمنين، التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
أيها الأخوة الكرام... كن مع الحق حيثما دار، ولا تعبأ بالكثرة، فالكثرة أحياناً ليست مع الحق..
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام: 116 ]
﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾
[ سورة النجم:28]
أكثر الناس يقول لك: قارَّات بأكملها، شعوب بأكملها، ألوف الملايين تفعل هذا، كيف تحرِّمه أنت؟ من قال لك إن هذه الكثرة الكافرة هي الحق؟ الحق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ولو كان قليلاً.
علامات أمراض القلوب :
أيها الأخوة الكرام... من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار، هناك أربعة أمور؛ غذاءٌ نافع، ودواءٌ شافٍ، وغذاءٌ ضار، وداءٌ مهلك.
الغذاء النافع هو الإيمان..
(( ماذا ينجي العبد من النار يا رسول الله ؟ قال: الإيمان بالله تعالى، قال: مع الإيمان عمل ؟ قال: نعم أن تعطي مما أعطاك الله ))
[المعجم الكبير للطبراني عن مالك بن مرثد ]
الإيمان هو المنجي، والقرآن هو الشفاء، إذا كان العسل كما ورد في القرآن الكريم شفاء الأجسام، فالقرآن الكريم شفاء الأرواح.
علامة صحة القلب :
1 ـ أن يؤمن الإنسان بالآخرة إيماناً يقينياً :
الإمام عليٌ كرم الله وجهه يقول: " إن الدنيا قد ترحَّلت مدبرةً، وإن الآخرة قد ترحَّلت مقبلةً، ولكلٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل، وكلما صح القلب من مرضه ترحَّل إلى الآخرة، وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها ".
بربك لو أنك أزمعت السفر لمكانٍ بعيد، قبل أسبوعٍ من السفر كل تصوراتك، وكل اهتماماتك، وكل خواطرك، وكل مشاعرك مع البلد الذي أنت ذاهبٌ إليه، هذا معنى قول العلماء: كن من أبناء الآخرة. أنت في الدنيا، ولكن أيّ عملٍ تفعله يا ترى ماذا أجيب الله عنه؟ هل يرضاه الله مني؟ هل يؤاخذني عليه؟ هل يبعدني عنه؟ هل يكون هذا العمل سبباً لدخول الجنة؟ هذا معنى: كونوا من أبناء الآخرة، أنت بمشاعرك، وأفكارك، وخواطرك، وهواجسك تعيش الآخرة، كل شيءٍ في حياتك الدنيا تقيسه بمقياس الآخرة، هذا معنى قول الإمام علي: " كونوا من أبناء الآخرة. "
كما أنك لو أردت أن تسافر إلى بلدٍ بعيد، قبل أسبوعٍ، يوم تعقد نيَّة السفر، كل خواطرك، كل مشاعرك، كل كتاباتك؛ قوائم أعمال، قوائم حاجات، تتابع الأمور واحدة واحدة، هكذا أنت أصبحت في هذا البلد البعيد، ولازال جسمك في بلدك، أنت إذاً من أبناء ذلك البلد.
وحينما نؤمن بالآخرة إيماناً يقينياً، وحينما ننطلق ساعين إليها دون أن نشعر ؛ هواجسنا، مشاعرنا، عواطفنا، فكرنا، قراءتنا، لقاءاتنا، ندواتنا، حفلاتنا، كل نشاطاتنا متعلقةٌ بالآخرة، هذا معنى: كونوا من أبناء الآخرة.
إذا كنت من أبناء الآخرة فهذه علامة صحة القلب، وإن كانت كلُّ المشاعر في الدنيا، وفي حطام الدنيا، وفي مكاسب الدنيا، وفي مباهج الدنيا، وفي الشهوات في الدنيا، إذا كانت كل المشاعر في الدنيا فأيضاً هذه حالةٌ لا تُرْضي، إنك من أبناء الدنيا.
2 ـ إلحاح العبد على نفسه حتى ينيب إلى الله و يتعلق به :
أيها الأخوة الكرام... من علامات صحة القلب أن العبد لا يزال يلحُّ على نفسه حتى ينيب إلى الله عزَّ وجل، وحتى يُخْبِتَ إليه، وحتى يتعلَّق به، وحتى يتشوَّق إلى لقائه، فلا حياة، ولا فلاح، ولا نعيم، ولا سرور إلا برضا الله عزَّ وجل، وقربه، فذكره قوته، وغذاؤه ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه ولذَّته وسروره، والالتفات إلى غيره، والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل هذا سكن القلب واطمأن، وزال عنه ذلك الاضطراب والقلق، وانسدَّت تلك الفاقة.
أيها الأخوة الكرام... دققوا في هذه الكلمات أنا أقولها كثيراً: إن في القلب فاقةً لا يسدها شيءٌ سوى الله تعالى، ولو كنت غنياً، ولو كنت قوياً، ولو كنت صحيحاً، ولو كنت ذا مالٍ وبنين، ولو كان لك شأنٌ عظيم، في القلب فاقة لا يسدها إلا الله عزَّ وجل، وفيه شعثٌ لا يلمّه غير الإقبال عليه، وفيه مرضٌ لا يشفيه إلا الإخلاص له، وعبادته وحده، فهو دائماً يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، حينئذٍ يشعر بالحياة تدبُّ في روحه.
أيها الأخوة الكرام... قال بعض العارفين: " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعُّم بذكره وطاعته".
وقال آخر: " إنه ليمر بي أوقاتٌ أقول فيها إذا كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم لفي عيشٍ طيب ".
فكلمةٌ من القلب إلى القلب؛ يجب أن تقول: واللهِ ليس في الأرض أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، أنت مع الله، أنت مع الخالق، أنت مع الرحيم، أنت مع الودود، أنت مع الغني، أنت مع القوي، أنت مع القادر، أنت مع الذي خلقك من أجله.
أيها الأخوة الكرام... هذا سر السعادة، وقال آخر: " والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا طابت الجنة إلا برؤيته ومشاهدته".
أيها الأخوة... وقال بعضهم: " حياة القلب في ذِكْر الحيّ الذي لا يموت، والعيش الهنيء مع الله تعالى لا غير، ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشدَّ عليهم من الموت، لأن الفوت انقطاعٌ عن الحق، والموت انقطاعٌ عن الخَلْق ". الفوت عند من يعرف الله عزَّ وجل أشدّ عليه من الموت، بالموت ينقطع عن الخلق، أما بالفوت فينقطع عن الحق، بل إن أشدَّ عذابٍ يعذَّب به المؤمن فتور علاقته مع الله عزَّ وجل.. " يا رب عصيتك فلم تعاقبني؟ قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي؟ " حينما تكون العلاقة بينك وبين الله عامرة، حينما تتودَّد إلى الله بطاعته، حينما تخطب ودَّ الله، أنت إنسانٌ آخر، لا تتأثَّر بما يتأثَّر به الآخرون، لا تتألم بما يؤْلِم الناس، لا تطمح بما يطمح إليه الناس، لا تنضغط بما ينضغط به الناس، لا تتمزَّق بما يمزِّق الناس، إنك إنسانٌ آخر، إن لك معاملةً خاصةً عند الله عزَّ وجل.
أيها الأخوة الكرام... من قرَّت عينه بالله تعالى، قرَّت به كل عين، أنت حينما تحب الله عزَّ وجل يلقي الله حُبَّك في قلوب الخلق، من قرَّت عينه بالله تعالى قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى تقطَّع قلبه على الدنيا حسرات.
وقال يحيى بن معاذ: " من سرَّ بخدمة الله، سُرَّت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرَّت عينه بالله عزَّ وجل، قرَّت عيون كل أحدٍ بالنظر إليه ".
3 ـ ألا يفتر عن ذكر الله :
الآن أيها الأخوة... من علامات صِحَّة القلب - هذا كلامٌ خطير - هناك أحكامٌ شرعيةٌ تملأ الكتب، وهي بين أيدي الناس، ومجال في أي لقاء، ولكن هذا القلب الذي قال الله عنه:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
هذا القلب هو ثمن الجنة، من علامات صحة القلب ألا يفتر عن ذكر الله، وألا يسأم من خدمة خَلْقِه، وألا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذكِّره بأمره ونهيه.
4 ـ الألم الشديد لفوات ورد يقوله :
ومن علامات صحة القلب أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً عظيماً، أعظم من تألُّم الحريص بفوات ماله وفقده.
5 ـ الاشتياق إلى خدمة الخلق :
ومن علامات صحة القلب أنه يشتاق إلى خدمة الخَلْق كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.
6 ـ ذهاب الغم و الهم عند الدخول في الصلاة :
ومن علامات صحة القلب أنه إذا دخل في الصلاة، ذهب عنه همه وغمه في الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام:
((أرحنا بها يا بلال))
[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]
لا كما لسان حال بعض المصلين " أرحنا منها "، وفرقٌ كبير بين أرحنا بها وأرحنا منها.
7 ـ أن يكون همه واحداً و هو الله :
ومن علامات صحة القلب أن يكون همُّه واحداً، وهو الله.. " من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ".. " اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها "
((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))
[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]
8 ـ أن يكون أشحَّ بوقته من أن يذهب ضائعاً :
ومن علامات صحة القلب أن يكون أشحَّ بوقته من أن يذهب ضائعاً من أشدّ الناس شحاً بماله، الوقت وعاء عملك، الوقت هو أنت، الوقت هو رأسمالك الوحيد، لذلك المؤمن ينفق وقته بترشيدٍ رائع، لا يسمح لشيءٍ تافه أن يقتنصه، لا يسمح لمشكلةٍ طارئةٍ أن تمتلكه، لا يسمح لقضيةٍ فائتةٍ أن تشغله عن الله عزًّ وجل، لا يسمح للدنيا أن تُنسيه الآخرة، لا يسمح لهمّ شديد أن يبعده عن الله عزَّ وجل..
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
[ سورة الفرقان: 63 ]
أيها الأخوة الكرام... إنفاق الوقت مهمٌ جداً، كم من سهرةٍ يمضيها الناس في القيل والقال؟ في الغيبة والنميمة؟ كم من وقتٍ يمضى وراء الشاشة بلا طائل، بلا فائدة، بلا جدوى، بلا نَفْع !.
أيها الأخوة الكرام... من علامة نجاح الإنسان أن يُرَشِّد استهلاك وقته.
9 ـ الاهتمام بتصحيح العمل أكثر مما يهتم بالعمل نفسه :
من علامات صحة القلب أن يهتم بتصحيح العمل أكثر مما يهتم بالعمل نفسه، العمل..
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾
[ سورة الفرقان: 23 ]
يؤتى يوم القيامة بأناس ـ والله هذا الحديث يقصم الظهر:
((لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَة بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً، قَالَ ثُوْبان: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا؟ جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا َنَعْلَمُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا))
[ ابن ماجة عن ثوبان ]
لا تعبأ بحجم العمل بل اعبأ بصحة العمل، لا تعبأ بشهرةٍ عريضة، اعبأ بعملٍ متقبلٍ عند الله عزَّ وجل، لا تعبأ بالتألُّق، اعبأ أن تكون عند الله متألقاً، لا تعبأ بمقاييس البشر، اعبأ بمقاييس القرآن عزَّ وجل..
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[سورة الأنفال: 2 ]
أن يجدك عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، اتقِ الله تكن أعبد الناس.
10 ـ صدق الخفاء و محبة عدم الشهرة و الخلوة بالله :
أيها الأخوة الكرام... هذا الذي همّه هو الله، وحبُّه كله لله، وقصده لله، وبدنه لله، وأعماله لله، ونومه لله، ويقظته لله، وحديثه، والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم حول مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخُلطة، إلا حيث تكون الخلطة أحب إلى الله عزَّ وجل، قرَّت عينه به، واطمأن قلبه إليه، فهو كلما وجد في نفسه التفاتاً إلى غيره تلا عليها قوله تعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
[ سورة الفجر : 27-28]
أيها الأخوة الكرام... أخ كريم قال لي: ذهبت إلى طبيبٍ نفسي فقال لي: مرضك أنك تشعر أن الله ليس راضٍ عنك، أقم بينك وبينه حواراً، ادعُه، ناجه، وهذا هو علاجك.
قلت: والله أنعِم بهذا من طبيب، هذا طبيب القلوب، مشكلة الإنسان بعده عن الله، وكل ما يعانيه المجتمع المسلم هي أعراض مرضٍ واحد، هي أعراض الإعراض عن الله عزَّ وجل، القلق، الخوف، الحسد، الكلام الفارغ، العدوان، هذا كله من علامات البُعد عن الله عزَّ وجل، فإذا كنت مع الله كان الخُلُق الذي تتخلَّق به أعلى خُلُق، السيدة عائشة سئلت عن خلق رسول الله فقالت: "كان خُلُقه القرآن"، بل إن بعضهم يقول: النبي قرآنٌ يمشي، قرآن؛ بعفوه، ومسامحته، وصدقه، وأمانته، ومحبَّته، وإخلاصه.
أنواع النفس :
أيها الأخوة الكرام... بقي أن هناك نفساً مطمئنةً اطمأنت إلى رحمة الله، وإلى طاعته، وهناك نفسٌ أمارةٌ بالسوء، لم يقل الله عزَّ وجل: نفسٌ آمرةٌ بالسوء، بل أمَّارةٌ بالسوء، ونفسٌ لوَّامة، فإن لم نكن مع الزمرة الأولى فلنكن مع الزمرة الثانية..
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[ سورة القيامة : 1-2]
هذه النفس التي تحاسب ذاتها كل يوم؛ لمَ قلت هذه الكلمة؟ لمَ نظرت هذه النظرة؟ لمَ ابتسمت هذه الابتسامة؟ لمَ أعطيت زيداً ولم تعط عُبيداً؟ لمَ هججت بفلان ولم ترحِّب بفلان؟ هذا الذي يحاسب نفسه كل يومٍ حساباً عسيراً؛ نفسه لوامة، وقد أثنى عليها الله عزَّ وجل، والأعلى من اللوَّامة أن تكون مطمئنةً إلى الله عزَّ وجل بسبب انضوائها في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشّرّ يبدأ من النّفس و ينقلب إلى عمل سيئ يستلزم العقاب :
أيها الأخوة الكرام... من أدعية النبي صلى الله عليه وسلَّم:
((الحمد لله نستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا))
[ من مختصر تفسير ابن كثير ]
استنبط بعض العلماء من هذا الدعاء أن النفس حينما تمتلئ بعداً عن الله، وشهوةً إلى الدنيا، السوء يبدأ من النفس، وينقلب إلى عمل، والعمل السيّئ يلزمه علاجٌ من الله عزَّ وجل. سوءٌ من النفس، وعملٌ سيّئ وعقابٌ من الله عزَّ وجل، " نعوذ بالله من شرور أنفسنا " التي تستلزم سيئات أعمالنا، وسيئات أعمالنا تستلزم عقاب الله عزَّ وجل.
في المسند والترمذي من حديث حصين بن عبيد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال له:
((يا حصين، كم تعبد؟ - هو من أهل الشرك - قال: سبعةً، ستةً في الأرض وواحداً في السماء - قال: فمن الذي تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: أسلم حتى أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بها، فأسلم فقال: قل: اللهمَّ ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي))
[ الترمذي عن عمران بن حصين]
الشر يبدأ من النفس، شهوةٌ خفيَّة، هذه الشهوة قد تحيد عن منهج الله، تنقلب إلى عمل، وحينما حادت الشهوة عن منهج الله وانقلبت إلى عمل يجب أن يكون العمل عدوانياً، وحينما يكون العمل عدوانياً لابدَّ من أن يعاقب الله هذا الإنسان، إذاً شرٌ في النفس، انقلب إلى عملٍ سيِّئ، والعمل السيّئ انقلب إلى عقابٍ في الدنيا أو في الآخرة، أو في كليهما.
أيها الأخوة... استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من شر النفس عموماً، ومِن شر ما يتولَّد منها من الأعمال، ومِن شر ما يترتَّب على ذلك من المكاره والعقوبات، فجمع بين الاستعاذة من شر النفس ومن سيئات الأعمال.
يا أيها الأخوة الكرام... الأمور واضحةٌ جداً، والطريق إلى الله سالك، وميسَّر، وحينما تخطُب ود الله عزَّ وجل تجد كل شيءٍ في خدمتك، كل شيءٍ يدعوك إلى الله، الله عزَّ وجل يعطيك مُرَغِّبات، مشجِّعات، العبرة أن تعزم عزماً أكيداً صادقاً على أن تصطلح مع الله، أمره بيِّن، حلاله بيِّن، حرامه بيّن، الطريق إلى مودته بيّن، الطريق إلى محبته بيّن، الأمور واضحةٌ جداً، ولكن النفوس مُسَيْطِرَة.
أيها الأخوة الكرام... الناس رجلان؛ رجل مَلَك نفسه فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل آخر مَلَكَته نفسه فأهلكته في الدنيا والآخرة، كلمتان بين أن تملكها فتحملها على الحق، وتسعد بها في الدنيا والآخرة، وبين أن تملكك فتردك موارد الهلكة.
الدعاء :
اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها مَعاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خَير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين.
اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى