خ1 - الابتلاء وأنواعه ، خ 2 - بطولة الإنسان أن يُحاسِب نفسه قبل أن يُحاسَب.

اذهب الى الأسفل

خ1 - الابتلاء وأنواعه ، خ 2 - بطولة الإنسان أن يُحاسِب نفسه قبل أن يُحاسَب.

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 11:01 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
الإنسان بين التأديب والامتحان والتكريم :
تأتي بعض المصائب لتدفع الإنسان إلى الله
أيها الأخوة الكرام، الدنيا التي نحن فيها لها حقيقة ولها صورة، حقيقتها أنها دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
حينما ندرك يقيناً أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، دار امتحان، دار ابتلاء، الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حينما سُئل: "ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تمكن قبل أن تُبتلى".
أقدم لكم اجتهاداً شخصياً مني، المؤمن يمر بأطوار ثلاث، إذا كان هناك تقصير، تقصير فيما ينبغي أن يفعله، تأتي بعض المصائب من أجل أن تدفعه إلى الله، وإن كان هناك استقامة تأتي بعض المصائب لتمتحنه، وبعدئذ تستقر حياته على الإكرام، فأنت بين التأديب وبين الامتحان وبين التكريم، هذه المراحل قد تتداخل وقد تتمايز، بين التأديب مرحلة، وبين الابتلاء الثانية، وبين التكريم الثالثة، هذه المراحل الثلاثة قد تتمايز وقد تتداخل، ولكن على كل مؤمن أن يوطن نفسه أنه لابدّ من أن يمتحن، لابدّ من أن يبتلى، وبطولته أن ينجح في الابتلاء، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه.
الدنيا محدودة بزمن معين أما الآخرة فليس لها زمن معين :
أيها الأخوة الكرام، هذا الذي لا يبتلى لعله شرد عن الله شرود البعير، والدليل القرآني:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
لذلك الابتلاء في الدنيا، فالدنيا دار الابتلاء، والزمن: العمر الذي تعيشه في الدنيا، والمكان: مكان إقامتك، هناك حقيقة وهناك مكان وهناك زمان، الحقيقة أننا جميعاً في دار ابتلاء، لكن لو قلنا: العمر الذي يعيشه الإنسان في الأرض مهما طال، سمعت عن شيخ الأزهر مخلوف عاش مئة وثلاثين عاماً، العمر مهما طال أمام الأبد صفر، أي ضع واحداً في الأرض وأصفاراً للشمس، وكل ميليمتر صفر، أي: مئة وستة وخمسون مليون كم كلها أصفار، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، أي رقم ولو كان فلكياً، ولو كان غير متخيل، إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، فالدنيا محدودة بزمن معين، أما الآخرة فليس لها زمن معين:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾
[سورة الطلاق: 11]
توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :
أيها الأخوة، أولاً نمتحن بالثروات، بالمنتجات، بزينة الحياة الدنيا، بالعمران، كل شيء آتاك الله إياه أنت ممتحن به، مادة الامتحان مادتان، مادة ما أعطاك الله، ومادة ما زوي عنك، لن تنجب أولاً ذكوراً ابتلاء، لم تنجب أولاداً أصلاً ابتلاء، أنجبت أولاداً ذكوراً وإناثاً ابتلاء، كنت غنياً ابتلاء، كنت فقيراً ابتلاء، كنت في مكانة رفيعة ابتلاء، كنت في مكانة في الظل ابتلاء، كل شيء أعطاك الله إياه وكل شيء زوي عنك هو مادة الامتحان، من أروع الأدعية التي نقلت عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب))
[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]
رابح في الحالتين، الذي آتاك الله إياه ينبغي أن توظفه للآخرة، والدليل:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
[سورة القصص: 77 ]
ابتغ؛ آتاك علماً، آتاك طلاقة لسان، آتاك مالاً، آتاك صحة، آتاك جاهاً، آتاك مكانة:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
[سورة القصص: 77 ]
الآن سلب عنك الذرية ابتلاء، لم تكن غنياً دخلك محدود ابتلاء، لم تكن في مكانة علية ابتلاء، العبرة بالنجاح، العبرة في الدار الآخرة، العبرة من يضحك آخراً، ليست البطولة أن تضحك أولاً لكن البطولة أن تضحك آخراً.
امتحان الإنسان بزينة الحياة الدنيا :
زينة الدنيا امتحان للإنسان
أيها الأخوة، في القرآن الكريم آية هي:
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾
[سورة الكهف: 7]
الدنيا خضرة نضرة، فيها نساء، فيها بيوت، فيها أموال، فيها مركبات، فيها سفر، فيها رفاه، فيها طعام نفيس، ولائم، مكانة، مناصب، نساء جميلات، الدنيا دار ابتلاء:
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾
[سورة الكهف: 7]
جعلك الله غنياً والغنى يتوافق مع الإيمان، لكن هل يعقل أن يقول من كان حولك من الفقراء: يا رب قد أغنيته بيننا فقصر في حقنا، جعلك قوياً بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً، هل استخدمت هذه القوة لإحقاق الحق وإبطال الباطل؟ جعلك طليق اللسان هل استخدمت طلاقة اللسان لترويج الحق أم لترويج الباطل؟ جعلك ذا مكانة علية هل استخدمت هذه المكانة لنصرة المظلوم أم للتملق للظالم؟ نحن في دار ابتلاء، والله قد لا تمر ساعة على أي منا إلا ويمتحن، نحن في دار ابتلاء، دار امتحان.
أيها الأخوة، نمتحن بالثروات، بالمنتجات، بزينة الحياة الدنيا، ونمتحن بالأنفس، من حيث الصحة والسقم، والقوة والضعف، والسعادة والشقاء، قد تكون صحيحاً أنت مبتلى بهذه الصحة، هل أعانتك على طاعة الله أم لا سمح الله ولا قدر استخدمتها في المعاصي والآثام؟ امتحنك الله بالقوة هل كانت قوتك للحق أم للباطل؟ امتحنك بالضعف هل يئست وتطامنت أم وثقت بنصر الله عز وجل؟ امتحنك بأسباب السعادة هل شكرت الله عليها؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره".
أيها الأخوة، إذاً تمتحن في زينة الحياة الدنيا، وتمتحن في نفسك، وتمتحن في المال الذي آتاك الله إياه، فقد تكون فقيراً أو غنياً، لذلك قال تعالى:
﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة آل عمران: 186 ]
الحكمة من وجود أهل الحق مع أهل الباطل :
شاءت حكمة الله أن نعيش مع الطرف الآخر، بل كان من الممكن ـ والله في ذاته العلية واجب الوجود، لكن ما سواه ممكن الوجود ـ أن يجعل كفار أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة على كوكب آخر، الأرض للمؤمنين والمريخ للكفار، لا يوجد حروب، ولا فتن، ولا بدر ولا أحد ولا الخندق، لا يوجد شيء أبداً، لكن شاءت حكمة الله أن نعيش معاً، قال بعضهم: لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون جنة الله إلا بالبذل، والتضحية، والصبر على المكاره، لذلك قال تعالى، دقق قرآن كلام خالق الأكوان:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾
[سورة البقرة: 155]
الخوف ابتلاء:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ ﴾
[سورة البقرة: 155]
قد يموت الصغير:
﴿ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾
[سورة البقرة: 155-157]
أنواع الابتلاءات :
1 ـ الابتلاء التكليفي :
أخواننا الكرام، يلحق بامتحان الأموال الجاه والسلطان، والممتلكات العقارية، وما إلى ذلك، يلحق بامتحان الأنفس الأبناء، والأقارب، والأحباب، من صحة، ومرض، وحياة، ونجاح، وفشل، قد يفقد الإنسان أعز أحبابه، ماذا يفعل؟ يصبر، يمتحن.
مرة ثانية: قد تتعرض في الساعة الواحدة إلى عدة ابتلاءات، أنت في دار ابتلاء، أنت في دار امتحان، الآن من أنواع الابتلاءات، الابتلاء التكليفي، كلفك الله أن تعبده، أنت ممتحن بهذا التكليف هل أنت عابد له أم أنت مقصر؟ هل تتقن الصلوات أم لا تتقنها؟ هل تؤدي العبادات فإذا أديتها استرحت منها أم استرحت بها؟ والفرق كبير جداً، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
الابتلاء الأول ابتلاء تكليفي ، كلفك أن تعبده.
موقف الإنسان من البلاء التكليفي :
علة وجودك أن تعبد الله
ما موقفك من هذا الابتلاء؟ كلفك أن تعبده، بل جعل الله علة وجودك في الأرض أن تعبده، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات الآية : 56]
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾
[ سورة هود: 7]
آية ثانية :
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[ سورة الملك: 2 ]
قال القرطبي: أحسن عمل أي أيكم أورع عن محارم الله؟ وأيكم أسرع إلى طاعة الله؟ أو ليبلوكم أي يعاملكم معاملة المختبر، أي ليبلو العبد بموت من يحبه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره، خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء، مفهوم الابتلاء يجب أن يكون واضحاً جداً في نفس كل مؤمن.
2 ـ الابتلاء الشخصي :
أحياناً هناك بلاء خاص الناس في بحبوحة الوضع جيد، أما هو فمبتلى ابتلاء خاصاً هذا الابتلاء الشخصي:
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
[ سورة الإنسان : 2]
هناك بلاء عام؛ كالغلاء العام، القهر العام، الاحتلال، المصيبة العامة، وهناك بلاء خاص:
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
[ سورة الإنسان : 2]
لا تنسوا قول الأمام الشافعي: "لن تمكن قبل أن تُبتلى".
آية ثانية:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ ﴾
[سورة البقرة: 155]
هذه الآية ذكرتها قبل قليل، وآية ثالثة:
﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة آل عمران: : 154]
هذا الابتلاء الفردي، هذا مبتلى بالغنى، هذا بالفقر، هذا بالأولاد، هذا بحرمانه من الأولاد، هذا بأولاد كلهم ذكور، هذا بأولاد كلهم إناث، هذا بأولاد بعضهم ذكور وبعضهم إناث، هذا ابتلي بالأولاد مع الفقر، هذا بالأولاد مع الغنى، هذا غني بلا أولاد، وضعك الذي أنت فيه مادة امتحانك مع الله، والبطولة أن تنجح، لكن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، لمجرد أن تقول: يا رب لك الحمد أنا راض فقد نجحت بالامتحان، الله عز وجل يقول:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾
[سورة الأنعام: 165]
3 ـ الابتلاء الجماعي :
الآن ابتلاء جماعي، أنت موظف بدائرة وهناك شخص أعلى منك هو مدير دائرة، وهناك مدير عام، ووزير، وقد تجد نفسك أصلح من هؤلاء لكنك مبتلى بهذا الموقع المتوسط، وقد تبتلى بموقع أقل:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾
[سورة الأنعام: 165]
هذه لام التعليل، جعلك ممرضاً وهناك طبيب، جعلك مجنداً وهناك لواء، جعلك بائعاً متجولاً وهناك رئيس غرفة تجارة، جعلك بأعمال بسيطة جداً ومن حولك بأعمال عالية جداً.
على الإنسان أن يأخذ بالأسباب و كأنها كل شيء ثم يتوكل على الله و كأنها ليست بشيء :
لكن أتمنى من أعماق قلبي ألا تفهموا أن ترضى بوضع لا يليق بك، متى ترضى؟ حينما تبذل قصارى جهدك ولا تستطيع أن تغير وضعك الآن ارضَ، أما يقول لك : أنا لم أنجح ابتلاني الله بالرسوب، هذا كذب، لأنك لم تدرس لم تنجح، هذا الذي يقصر، ويعزو تقصيره إلى القضاء والقدر هذا يسخر من الدين، التوحيد لا يبرر الخطأ، أنا أقول: هذا جزاء التقصير، وضعت دواء ساماً بمكان في أيدي الأطفال، الله ابتلاني، لا هذا تقصير، هذا الدواء السام يوضع في مكان بعيد عن أيدي الأطفال، هناك أشياء كثيرة أيها الأخوة يبتلى بها الإنسان يكون قد أخذ بالأسباب أما إن لم يأخذ بالأسباب، عفواً مأخذ كهربائي مكشوف في الحمام وهناك ماء، والتيار مئتان وعشرون، التيار مع الماء قاتل، دخل الابن وضع يده على المأخذ المكشوف والأرض فيها ماء يموت فوراً، أخي سبحان الله مات بأجله، هذا كلام فيه خطأ كبير، مثلاً: طبيب إسعاف جاءه مريض وهو يجري حواراً مع ممرضة لا يليق به أن يترك هذا الحوار فطلب من المريض أن ينتظر فمات، أنا أرى أن يحاسب كقاتل إذا كان بالإمكان إسعافه، هذا جزاء التقصير، أما حينما تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ويأتي الأمر على خلاف ما تريد هذا اسمه قضاء وقدر، حينما تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ويأتي الأمر على خلاف ما تريد هذا قضاء وقدر، وإلا جزاء التقصير:
(( ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
لا تستطيع أن تقول حسبي الله ونعم الوكيل إلا إذا أخذت بالأسباب، وغلبك أمر الله عز وجل هذه حالة وحيدة، أما كل تقصير هكذا يريد الله، ما درست، البضاعة عندما اشتريتها لم تدرس السوق، فلم تربح، الله لم يكتب لي أن أربح، هذا غلط، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أقسم لكم بالله ما من حقيقة بكلمات يحتاجها المسلمون اليوم كهذه الحقيقة، مقصرون، لا يأخذون بالأسباب، ينتظرون معجزة من الله، لا تأتي هذه المعجزة ما لم نأخذ بالأسباب لا نتوقع من الله شيئاً، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
نفي الإيمان عمن يبغي على خليطه بنص الآيات التالية :
أيها الأخوة الكرام، سيدنا داود عليه السلام له قصة تؤكد حقيقة هذا الموضوع، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23)قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
[سورة ص: 23-24]
أيها الأخوة الكرام، رجاءً دققوا في هذه الآية:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ ﴾
[سورة ص: 24]
من هم الشركاء؟ الزوجان، الصديقان، الشريكان، أي علاقة بين اثنين، شركاء:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
[سورة ص: 24]
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً بنص الآية:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
[سورة ص: 24]
إذاً الذي يبغي على شريكه، أو على خليطه، أو على زوجته، هنا نفي عنه إن أردنا أن نخفف كمال الإيمان، أو نفي عنه الإيمان أصلاً:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24)فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾
[سورة ص: 24-25]
امتحان الإنسان من الله عز وجل بكل شيء :
الله عز وجل ولاك مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مؤسسة، هذا امتحان، هل تعدل أم تظلم؟ هل تقرب أقربائك أم تقرب الأكفاء فقط؟ امتحان، معلم ابتدائي و لك ابن، هل تضعه عريفاً إن لم يكن كفئاً؟ هل هناك أبسط من ذلك؟ الإنسان حينما يمتحن بمنصب، بعمل، بتجارة، بصناعة، بمؤسسة، ممتحن من الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾
[سورة المائدة: 48]
آية أخرى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾
[سورة الأنعام: 165]
الله عز وجل قادر أن يضع الإنسان في موقف صعب يكشف حقيقته :
لايمكنك أن تخدع كل الناس كل الوقت
أيها الأخوة الكرام:
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾
[سورة الأنعام: 165]
بالظاهر مؤمن:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
[سورة البقرة:14-15]
فهذا الذي يقف موقفاً نفاقياً لابدّ من أن يكشفه الله، امتحن فلم ينجح، يأتي أمر الله عز وجل ليكشف حقيقته، الله عز وجل قادر أن يضعك في موقف صعب جداً تكشف على حقيقتك، لذلك قالوا: يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل، أنا أضيف وأقول: أما أن تخدع ربك أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة فهذا مستحيل:
﴿ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[سورة القيامة: 14-15]
المؤمن يرى أن العبرة في الحياة الآخرة فيرضى بقضاء الله وقدره :
البراكين من الابتلاءات العامة
الآن لنا أعداء ألداء، أقوياء جداً، قد يقول قائل: لمَ لا يدمرهم بزلزال؟ جاء الجواب:
﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾
[ سورة محمد:4 ]
أراد أن يعطيك أجر الآخرة، أن يعطيك أجراً عظيماً، فهو سمح لك أن تجتهد، وأن تعمل، وكان من الممكن أن يدمر الله أعداء الإسلام جميعاً مرة واحدة، لأن أمره كن فيكون، زل فيزول:
﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾
[ سورة محمد:4 ]
والابتلاء أيضاً من خصائص الأنبياء، قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
[ سورة الأنعام: 112 ]
أيها الأخوة الكرام، أحياناً هناك ابتلاء عام، يكون هناك زلازل أحياناً، أو فيضانات، تسمعون في الباكستان وفي بلاد كثيرة، هناك ابتلاءات عامة، المؤمن راض عن الله عز وجل، المؤمن يرى أن يد الله تعمل وحدها، المؤمن يرى أن العبرة في الحياة الآخرة، لذلك يرضى بقضاء الله وقدره.
الافتخار بالمعاصي مرفوض في كل شرائع الأرض :
أيها الأخوة الكرام، لكن هناك ملاحظة دقيقة جداً في قوله تعالى:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾
[ سورة الروم: 41]
دقق إذا كان هناك ابتلاء عام فبسبب فساد عام:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[ سورة الروم: 41]
لم يقل ليذيقهم ما عملوا، ولا كل الذي عملوا، بعض الذي عملوا، حديث أردده كثيراً يقول:
((كنتُ عاشرَ عشَرةٍ رهطٍ من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تُدركوهن، ما ظهرت الفاحشةُ في قوم حتى أعلنوا بها ... ))
[ ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما]
مع الإعلان، لا يفتخر، مثلاً: ببعض بلاد الغرب هناك وزير الصحة ببلد أوربي قال: أنا شاذ، وزير الخارجية في بلد آخر قال: أنا شاذ، سفير أمريكا ببوخارست، أقيم له حفل وداع في واشنطن، كان مع شريكه الجنسي ـ حتى يعلنوا بها ـ هذه جريمة تعاقب عليها القوانين جميعاً، مرفوضة حتى في شرائع الأرض، الآن يفتخر بها:
((ما ظهرت الفاحشةُ في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتُلوا بالطواعينِ والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ـ كل فترة هناك مرض جديد، أحد هذه الأمراض الإيدز ـ ولا نقصَ قومٌ المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدةِ المؤونة وجور السلطان...))
كل أنواع الغش في الكيل، في المساحة، بالعدد، بالمواصفات، بوقت الصنع، أحياناً يكون الدواء غالياً جداً يحك تاريخ انتهاء الصلاحية ويبيعه، كل شيء محاسب عنه.
(( وشدةِ المؤونة، وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء))
وأنا أقول دائماً: كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء علا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة:
((...ولولا البهائمُ لم يُمطروا، ولا نقد قومٌ عهد الله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم يأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم))
[ ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما]
وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يعيش معنا.
الإنسان في دار ابتلاء و ممتحن في كل دقيقة و لحظة :
أيها الأخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نعلم علم اليقين أننا في دار ابتلاء، وأنك ممتحن، والله في كل دقيقة، في كل لحظة، في كل ساعة، في بيتك، في عملك، في الطريق، مع صديق، مع عدو، مع من هو أعلى منك، مع من هو أدنى منك، ممتحن في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، كل شيء أنت فيه عده مادة امتحانك مع الله، أي شيء أنت فيه إيجابي أو سلبي ينبغي أن تعده مادة امتحانك مع الله.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني .
* * *
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العاقل من حاسب نفسه قبل فوات الأوان :
أيها الأخوة الكرام، مثل قفز إلى ذهني لو أنك سافرت إلى بلد مجاور، وحالة نادرة رأيت تشديداً غير معقول للقادمين لبلدك من حيث البضاعة، كل شيء معهم يوضع على الطاولة، ويحاسبون على أدنى شيء، الآن أنت سافرت إلى بلد مجاور، رأيت حاجة جيدة رخيصة، يقفز إلى ذهنك سؤال، هذه لا تمر، لا يسمحوا لي بإدخالها، إذا عندك هذا الشعور دائماً مع الله، أن هذا العمل ماذا أجيب الله عنه؟ مسافر عادي سافر من دمشق إلى بيروت، وجد تشديداً للقادمين إلى بلده غير معقول في موضوع البضائع، كلما رأى حاجة أعجبته وسعرها مناسب لا يشتريها، يقول لك: هذه لا تمر معي، أنت كمؤمن يجب أن تسأل نفسك مع كل موقف، ماذا تجيب الله عن هذا الموقف؟ والبطولة أن تهيئ جواباً لله عز وجل، وإذا ما كان عندك جواب فهناك مشكلة كبيرة، أنا ضربت مثلاً من واقعنا سافرت إلى بيروت وجدت تشديداً غير معقول في محاسبة القادمين إلى البلد من حيث البضائع، فأنت كلما أعجبك شيء رخيص، وأنت بحاجة له تقول: لا تمر، فالبطولة أن تحاسب نفسك عن كل موقف، عن كل كلمة، على الابتسامة، عن الزيارة، عن عدم الزيارة، عن اللقاء، عن عدم اللقاء، عن مشاركة في رحلة أحياناً، لا ترضي الله عز وجل، فيها اختلاط، هذه السهرة لا ترضي الله عز وجل، هذه الصفقة لا ترضي الله عز وجل، فالبطولة أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب.
كنت مرة في بلاد المغرب رأيت كلمة على محل تجاري، قال: صلِّ قبل أن يُصلى عليك، وأنا أقول لك: حاسب نفسك قبل أن تحاسب، لذلك من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 823
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خ1 - الابتلاء وأنواعه ، خ 2 - بطولة الإنسان أن يُحاسِب نفسه قبل أن يُحاسَب.

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 11:04 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
بحث علمي لتقريب عظمة الكون من أذهاننا :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التفكر في خلق السماوات والأرض، وهو من علامات القبول، فالله سبحانه وتعالى في أعظم سورةٍ، بل في أعظم آيةٍ في كتاب الله يقول:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة ]
لنحاول أن نحوم حول هذه الآية.
أيها الأخوة، الأرقام أحياناً لا تعني شيئاً، بل الموازنات قد تعني شيئاً يقرب من الحقيقة، هذا المسجد الذي نحن فيه، مساحته فرضاً مع الحرم، والمرافق، والوجائب، ألف وخمسمئة متر، بينما مساحة الجامع الأموي تقدر بثلاثين ألف متر، إذاً الجامع الأموي أكبر من مسجدنا بعشرين ضعفاً، ولكن هذا المسجد الأموي الكبير، سيصبح صغيراً حينما نوازنه بمساحة المسجد النبوي الشريف، ثلاثمئة ألف متر مربع، أي أن المسجد النبوي يكبر الجامع الأموي بعشرين ضعفاً مثلاً .
أيها الأخوة، فإذا بقينا في سياق الموازنات، على اعتبار أن مساحة المدينة المنورة ستمئة مليون متر مربع، فإنها تكبر المسجد النبوي بألفي ضعف، مساحة المدينة أكبر من مساحة المسجد النبوي بألفي ضعف، والجزيرة العربية مساحتها ثلاثة ملايين كيلو متر مربع، إذاً هي أكبر من مساحة المدينة المنورة بعشرة آلاف ضعف، نتابع هذه الموازنات، ومساحة قارة آسيا أكبر من مساحة الجزيرة العربية بأربعة عشر ضعفاً، أما مساحة كوكب الأرض فأكبر من مساحة آسيا بأحد عشر ضعفاً، انطلقنا من هذا المسجد، إلى المسجد الأموي، إلى المسجد النبوي الشريف، إلى الجزيرة العربية، إلى آسيا، إلى الأرض، ما موقع هذا المسجد من مساحة الأرض؟ ثلاثمئة ألف بليون مرة، فهذا المسجد لا شيء أمام مساحة الأرض.
التفكر في خلق السماوات و الأرض :
حجم الأرض بالنسبة لكوكب المشتري
أيها الأخوة، ولكن كوكب الأرض هل هو أكبر شيءٍ في الوجود؟ بالتأكيد الجواب لا، فالله سبحانه وتعالى خلق كوكب المشتري أكبر من الأرض بألف وثلاثمئة مرة.
﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾
[ سورة الروم ]
نجم الشعرى اليمانية
نتابع، وتبقى الشمس العظيمة نجماً متواضعاً عندما نوازنها بنجومٍ أخرى أودعها الخالق في سمائه، وقال:
﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾
[ سورة ق ]
فإذا نظر الإنسان وجد أن نجم الشِعرى اليمانية ألمع نجمٍ في السماء، يكبر شمسنا بثمانية أضعاف، بالمناسبة الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي إن مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس، ونجم الشِعرى اليمانية يكبر الشمس بثمانية أضعاف، وصدق الله عز وجل حينما قال:
﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾
[ سورة النجم ]
ولنسأل أنفسنا: ما هو حجم كوكب الأرض من الشِعرى اليمانية؟ الشِعرى اليمانية أكبر من الأرض بعشرة ملايين مرة، أي عشرة ملايين أرض تدخل في الشِعرى اليمانية.
الدين عباداتٌ شعائرية وتعاملية وتفكرية :
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:
﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾
[ سورة مريم ]
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
وقال الله عز وجل:
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة يونس الآية: 101 ]
ولا تنسوا أيها الأخوة، أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، توهمنا أن الدين عباداتٌ شعائرية، هو في الحقيقة عباداتٌ شعائرية، وتعاملية، وتفكرية، أكثر من ألف وثلاثمئة آية في كتاب الله تتحدث عن الكون، وتدبر هذه الآيات يعني التفكر في خلق السماوات والأرض، والآية الأصل في هذا الموضوع:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
ونحن في هذا البحث ننطلق من أن أصل الدين معرفة الله، فإذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من الأمر.
التفكر في خلق السماوات والأرض هو الطريق إلى معرفة الله :
قل انظروا ماذا في السماوات والأرض
الآن إذا أمعنا النظر في كواكب السماء ونجوم السماء، هناك نجم أكبر من شمسنا بخمسمئة مرة، وأكبر من أرضنا بستمئة مليون مرة، نجم، فلا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله والله أكبر و أعظم، أما نجم السماك الرامح فأكبر من شمسنا بثلاثين ألف مرة، وأكبر من أرضنا بأربعين مليون مرة.
نتابع: أما نجم رجل الجوزاء، فهو أكبر من شمسنا بثلاثمئة وثلاث وأربعين ألف مرة، وأكبر من أرضنا بأربعمئة بليون مرة، نحن وازنا هذا المسجد بالأرض، والآن نوازن الأرض بهذه الكواكب، أما نجم بيت الجوزاء، فأكبر من شمسنا بمئتين وأربع وسبعين مليون مرة، لذلك هذا النجم أكبر من أرضنا بثلاثمئة وخمس وخمسين تريليون مرة:
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾
[ سورة غافر الآية: 57 ]
نندهش بصاروخ صنعه إنسان، نندهش بباخرة، بطائرة، انظر إلى خلق الله عز وجل، مرة ثانية: التفكر في خلق السماوات والأرض هو الطريق إلى معرفة الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]
الآيات العلمية في القرآن الكريم :
فلا أقسم بمواقع النجوم
أخوتنا الكرام، النجوم أفرانٌ نوويةٌ مخيفة، يتفطر لها قلب الإنسان هولاً، وخوفاً، حينما يتأمل، ويتدبر، ويتفكر بحجمها، وموقعها، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الواقعة ]
صدقوا أيها الأخوة أن عالم فلكٍ إذا وقف عند كلمة
﴿ مَوَاقِعِ ﴾
لخر ساجداً لله عند كلمة
﴿ مَوَاقِعِ ﴾
فقط، لأن هذا النجم الذي يبعد عنا أربعاً وعشرين مليار سنة، كان في هذا المكان وانطلق الضوء منه، ومشى هذا الضوء نحو الأرض، وبعد أربع وعشرين مليار سنة وصل الضوء إلينا، أما هذا النجم سرعته تقترب من سرعة الضوء، سرعته تقدر بمئتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، أين هو الآن؟ هذا المكان ليس نجماً، هذا المكان موقع النجم، معنى الموقع أن صاحب الموقع ليس في الموقع، لو أن الآية افتراضاً: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم، هذا ليس قرآناً، أما
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
أيها الأخوة، هل أتانا نبأ النجم الأحمر العملاق، الذي اسمه قلب العقرب، والذي يكبر الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة، أي ثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون شمس تدخل في قلب العقرب، ومليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
[ سورة لقمان الآية: 11 ]
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ هذا الإله العظيم يعصى!.
لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت
* * *
هذا النجم قلب العقرب العملاق الذي يكبر الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة، يبعد عنا ستمئة سنة ضوئية.
السماء أشد خلقاً من الإنسان والذي خلقها أشد منها :
أنا مرة حدثتكم: أن أربع سنوات ضوئية أقرب نجم ملتهب للأرض، لو كان له طريق، ومعنا مركبة أرضية، والسرعة مئة، نصل إليه بعد خمسين مليون عام، نحتاج إلى أن نقود مركبةً أرضيةً خمسين مليون عام حتى نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، أما هذا النجم قلب العقرب، بعده عنا ستمئة سنة ضوئية، أي خمسة آلاف مليون مليون كيلو متر، متى نصل إليها؟ والمخيف والمدهش أننا لو افترضنا أن نجم قلب العقرب العملاق حلّ مكان الشمس، لابتلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، دخلوا مع المسافات بينها في جوفه.
أيها الأخوة، هذا النجم الذي يفوق الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة وقلب العقرب أشد إشعاعاً من الشمس بعشرة آلاف مرة، ألم يقل لكم ربكم أيها الأخوة:
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
[ سورة النازعات ]
طبعاً نجيب جميعاً بلا تردد: السماء يا ربنا بلا جدال أشد منا خلقاً، والذي خلقها أشد منها، فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الكون لا نهاية لاتساعه وكلما تقدم العلم اكتُشفت آفاقٌ جديدةٌ لم تكن معروفة :
الآن عندنا نجم اسمه كانسيو، يبعد عنا خمسة آلاف سنة ضوئية، يفوق الشمس حجماً بتسعة بلايين ومئتين وواحد وستين مليون مرة.
﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة يس ]
هل نريد أن نعرف حجم أرضنا عند هذا العملاق؟ نسبة الأرض إلى هذا النجم العملاق، طبعاً قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾
[ سورة الذاريات ]
هذا النجم لو حلّ محل نجمنا لبلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، من أبعد النجوم عن الأرض المشتري، بعض الوكالات أرسلت مركبة فضائية للمشتري، هذه المركبة سارت بأسرع سرعة وضعها الإنسان، أربعون ألف ميل في الساعة بقيت هذه المركبة تتجه نحو المشتري ست سنوات، بسرعة أربعون ألف ميل في الساعة، بعد ست سنوات وصلت للمشتري، وأرسلت الصور من هناك.
أيها الأخوة، هذا النجم العملاق لو حلّ مكان نجمنا، لبلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، ووصل إلى حدود زحل، طبعاً حتى الضوء الذي سرعته ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، يستغرق ثماني ساعات ليكمل دورةً حول هذا النجم العملاق، يحتاج الضوء إلى ثماني ساعات ليلف حول هذا النجم العملاق، هناك نجم اكتشف حديثاً، بعده عنا يقدر بأربع وعشرين مليار سنة ضوئية، لأنك إذا قرأت قوله تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
لذلك:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 28 ]
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
النجوم هي وحدة بناء المجرات :
كل مجرة تحتوي على ملايين النجوم
أيها الأخوة، النجوم هي وحدة بناء المجرات، مجرتنا المتواضعة، درب التبابنة تحتوي على ملايين، بل بلايين النجوم، والشموس، نحن بمجرة متواضعة، شكلها كشكل عضلة، هذه المجرة المتواضعة تحتوي على ملايين بل بلايين النجوم والشموس، وهذه المعطيات الرقمية ليست نظرية، إنما هي مشاهدة حقيقية من مراصد عملاقة، قابعة في السماء، مرصد هُبل في السماء يرصد هذه النجوم.
يقدر العلماء أن طول مجرتنا مئة ألف سنة ضوئية، الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام، طول مجرتنا المتواضعة درب التبابنة مئة ألف سنة ضوئية، أي ما يعادل تسعمئة وخمس وأربعين ألف مليون مليون، يقدر عدد نجوم هذه المجرة المتواضعة ما بين مئتين إلى أربعمئة بليون نجم، وفي السماء الدنيا بلايين المجرات، وكل مجرة تحتوي على بلايين النجوم، والعلماء كلما طوروا مناظيرهم العملاقة اكتشفوا المزيد والمزيد من هذه المجرات، حجم السماء أكبر وأعظم من أن يستوعبه العقل البشري، أو أن يدركه الذهن الإنساني، ولا حتى الحاسب الإلكتروني، يكفي أن نذكر أن متوسط قطر المجرات يساوي ثلاثين ألف سنة ضوئية، أي المجرات كثيرة جداً، لنأخذ متوسطها، قطر مجرة متوسطة يقدر بثلاثين ألف سنة ضوئية، والمسافة بين كل مجرتين ثلاثة ملايين سنة ضوئية، الكون متباعد
﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
وعلى مستوى الكون المكتشف والمنظور هناك أحدث تقدير علمي لعرض الكون أقول لكم كلمات: لا أدري كيف نفهمها؟ قال: الكون، التقدير العلمي الحالي ست أصفار، ست أصفار، ست أصفار، ست أصفار، أربعة وعشرون صفراً أمامها واحد.
التفكر أعلى عبادةٍ على الإطلاق لأن أصل الدين معرفة الله :
أيها الأخوة، الحقيقة أن الكلمات وحتى الأرقام تعجز عن وصف سعة الكون وما يختزنه من خلقٍ عظيمٍ، ومدهش، قال تعالى:
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الحشر ]
هذا الموجود المخلوق فكيف بالموجد الخالق؟ لا زلنا في المخلوق، والمخلوق فيما يبدو لا نهائي، فكيف بالخالق؟ هل أدركنا حجم السماء ومساحتها وسعتها؟.
أيها الأخوة، الآن أتريدون أن تقرؤوا عن مخلوقٍ يتيمٍ يكبر السماوات والأرض، مخلوق يتيم، واحد، يكبر السماوات والأرض، ولم يشاهده البشر إطلاقاً، ولم يخلق مثله في الوجود، إنه الكرسي،
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
مخلوق يتيم واحد يلف الكون كله، سبحان الله، والله أكبر، سبحان الله، والله أكبر وأعظم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله عز وجل يقول:
﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ﴾
[ سورة الصافات الآية: 11 ]
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
أكاد أضع يدي على مشكلة العالم الإسلامي، عرفوا الأمر، درس في المدرسة الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والأمانة، والصدق، لكن ما عرف من هو الآمر، لذلك تفلت من الأمر، أي:
(( لن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
الأمة الإسلامية الآن مليار وخمسمئة مليون، لا وزن لها، ليس أمرها بيدها، للطرف الآخر عليها ألف سبيلٍ وسبيل، كيف نفسر ذلك؟ لأننا ما عرفنا الله، أصل الدين معرفة الله، ومعرفة الله تتم بالتفكر في خلق السماوات والأرض، والتفكر أعلى عبادةٍ على الإطلاق، عن طريق التفكر تعرف الله، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[تفسير ابن كثير]
من عرف الله عز وجل تفانى في طاعته :
فلينظر الإنسان مم خلق
أيها الأخوة الكرام، أصل الدين معرفته، والآية الأصل:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
والله عز وجل قال:
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 53 ]
أنت أمام كأس الماء، أمام صحن الطعام، أمام هذه الفواكه، أمام الأسماك، أمام الأطيار، وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدُ، عود نفسك أن تفكر، تفكر في خلق السموات والأرض، تفكر في طعامك:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس ]
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
[ سورة الطارق ]
أيها الأخوة الكرام: الطفل أساسه حوين واحد، والحوين لا يرى بالعين، والبويضة يمكن لو وضعت لعاباً على طرف إصبعك، ووضعت إصبعك على الملح، بأخف ضغط تجد طبقة ذرات الملح، البويضة تساوي أحد هذه الذرات، والحوين لا يرى بالعين، وعند التقاء البويضة مع الحوين يجري اللقاح و بعد تسعة أشهر يلد طفل، بدماغه مئة وأربعون مليار خلية، سمع، بصر، فم، لسان، مريء، قلب، أمعاء، هضم، كليتان، عضلات، تسعة أشهر:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ* إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾
[ سورة الطارق ]
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ ﴾
في مثل هذا الدرس،
﴿ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
انظر إلى عينك:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾
[ سورة البلد ]
إلى لسانك، إلى سمعك، إلى بصرك، إن عرفنا الله تفانينا في طاعته، أما إذا لم نعرفه، الأمر أصبح كما ترون، ثقافة إسلامية، لكن هدى إسلامياً لا يوجد.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 823
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خ1 - الابتلاء وأنواعه ، خ 2 - بطولة الإنسان أن يُحاسِب نفسه قبل أن يُحاسَب.

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 22, 2014 11:08 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
من ثمرات الحكمة حسن الاختيار :
حسن الاختيار من ثمرات الحكمة
أيها الأخوة الكرام: من ثمرات الحكمة التي يؤتاها الإنسان حينما يستحقها لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
حسن اختياره.
فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل: أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً؛ أجوع يوماً فأذكره, وأشبع يوماً فأشكره.
كل الحكمة تظهر في حسن اختيار؛ الإنسان قد يختار عملاً خشناً, لكنه يرضي الله, وقد يختار الجاهل عملاً ناعماً, لكنه يسخط الله عز وجل, قد يختار الإنسان زوجة صالحة تزيده قرباً من الله, وقد يختار زوجة تجعل حياته جحيماً.
فالحكمة تظهر في حسن الاختيار, فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار أن يكون نبياً عبداً.
وقالوا: اختار أن يكون نبياً عبداً؛ يجوع يوماً فيذكره, ويشبع يوماً فيشكره.
هناك أشياء لو أن الإنسان غني غنى فاحشاً, و استقام على أمر الله لنجا, ولكان غناه قوة للمسلمين, ولو أن إنساناً قوياً قوة كبيرة, واستقام على أمر الله لنجا؛ ولكن مظنة الزلل في الغنى والقوة أكبر من مظنة الزلل في الفقر والضعف, فالنبي اختار الأسلم.
بطولة الإنسان أن يتجاوز الصور إلى الحقائق :
بطولة الإنسان في اختيار زوجته وعمله
لو أن الله جعل إنساناً من أقوى الأقوياء, يمكن في ساعة غفلة ينتقم من خصومه انتقاماً شديداً, يمكن ألا يكون عادلاً, لو جعل إنساناً من أغنى الأغنياء, يمكن في ساعة غفلة ينفق ماله على شهوة من شهواته, لا ترضي الله عز وجل، فدقق في الأسلم.
أحياناً الإنسان يزوج ابنته لإنسان مؤمن, فيضمن لها سبيلها الأخروي, وقد يزوجها لإنسان من أهل الدنيا, فتزل قدمها, وتزل قدمه.
يروون أن سعيد بن المسيب لزم القضاء, وكان قاضياً من كبار القضاة, عنده فتاة, خطبها الوليد بن عبد الملك فاعتذر, عنده تلميذ من فقراء التلاميذ, غاب أسبوعين, أو ثلاثة, فتفقده, فإذا بزوجته قد ماتت, قال له: يا بني! هل لك من زوجة؟ قال: أتمنى, قال له: ماذا عندك؟ قال له: عندي درهم, فزوجه إياها على هذا الدرهم.
ففي الظاهر اختار إنساناً فقيراً على ملك, لكنه نظر إلى مستقبل حياتها, فوجد أنها إن كانت زوجة لهذا الإنسان المؤمن الفقير يسلم دينها, وتدخل الجنة, أما إذا اختار لها زوجاً قوياً, وغنياً, فلعله يحملها على معصية, لعلها تغتر بالدنيا.
فكل بطولة الإنسان في اختيار زوجته, في اختيار عمله.
هناك أعمال ظاهرها قذر لكنها نظيفة وشريفة
أنا لا أنسى مرة: شخص يبدو أن عمله غير مشروع, قال لي: أنا عملي قذر؛ - قد يكون غير مشروع من حيث كسب المال, قد يكون هناك دخل ربوي كبير في حياته, قد تكون بضاعته محرمة- فالنتيجة عنده مكتب من أفخر ما رأيت في حياتي, قال لي: أنا عملي قذر؛ فهناك أعمال لا ترضي الله, أساسها إيقاع الأذى في الناس, وأذكر في اليوم الثاني أنني اضطررت أن أصلح مركبتي عند إنسان, كان الجو ماطراً فهذا الإنسان يلبس معطفاً لونه كان أزرقاً من الشحم والوحل, لم يعد له لون إطلاقاً؛ والدنيا مطر, وانبطح تحت السيارة, فك الدواليب, وأصلحهم, وأخذ أجرة معتدلة.
فأنا وازنت بين كلمة الأول: أنا عملي قذر, وبين المهنة التي كلها وحل وشحم وزيت ومشقة وآلات قلت: هذا عمل نظيف.
بطولة الإنسان أن يتجاوز الصور إلى الحقائق.
أحياناً تجد شخصاً في محل تجاري, في سوق من الأسواق, سوق كله ألبسة جاهزة, الزبائن نساء حسناوات, بحسب الظاهر المحل فخم, هدوء, تكييف, عطر, كل الزبائن نساء, كاسيات عاريات, تجد محلاً في زقاق الجن, محل تصليح سيارات, ومزعج, وشحوم؛ لكن هذا المحل الأول طريق إلى المعصية, أما المحل الثاني فطريق إلى الله عز وجل.
على الإنسان أن يختار الشيء الذي يرضي الله عز وجل :
إذاً: أنا استطيع أن أصل إلى اختيار صحيح؛ في زوجتي, وفي حرفتي, وفي مهنتي, وفي عملي، فالحكمة تقتضي أن أحسن الاختيار، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
و قد قيل: إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته.
مثلاً: الإنسان يكون في بلد غني, ومريح, لكن يغيب عنه أن أولاده قد ينشؤون منحرفين, قد ينشؤون على غير الإسلام, قد ينشؤون على غير الولاء لهذا الدين العظيم, فيغريه فيلا فخمة, ومسبح, وحياة مريحة, وحريات كبيرة جداً, ودخل كبير, ومركبات رخيصة, ويغيب عنه أن أولاده الذين هم أثمن شيء في حياته خسرهم.
اختيار تنشئة الأولاد في بلاد الغرب ثمنه باهظ
فيأتي على الإنسان الذي اختار الدنيا ساعة يتألم أشد الألم, فالحكمة تظهر بحسن الاختيار, قد يلغي سفراً.
زارني طبيب من شهر تقريباً قال لي :أنا مقيم في أمريكا, وأنا في بحبوحة كبيرة جداً, لكن عندي شعوراً بالذنب مستمراً؛ أنني أداوي أعداء المسلمين, خبرتي وطاقتي لأعداء المسلمين, قال لي: أخذت قراراً حاسماً, وعدت إلى بلدي, فتحت عيادة، دعاني إليها, فزرتها, قال لي: هنا أخدم المسلمين و أنا مطمئن, والله قرار حاسم, طبعاً لن يجد الأمور ميسرة كما هي هناك، لكن اختار ما يقربه من الله عز وجل.
هناك أخوان كثر, كانوا في بلاد أجنبية, وعادوا إلى بلدهم, وارتادوا مجالس العلم, وزوجاتهم محجبات, وأولادهم معهم في المساجد, يقول لي: ما اتخذت قراراً في حياتي أحكم من هذا القرار, وهناك إنسان تجده يقيم مع المشركين. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله))
[ورد في الأثر]
قد يفرض عليك عمل, دخله كبير جداً؛ لكن فيه شبهات, أو فيه ظلمات, ومبني على إيذاء الناس, وقد يكون عملك متواضعاً جداً, دخله قليل, لكنه مبني على خدمة الناس, فحكمتك تبدو في حسن الاختيار, وكل إنسان قد يختار الشيء الخشن لأنه قد يرضي الله.
الحكمة من أن الحلال صعب والحرام سهل :
من حكمة الله أن الحلال صعب
لحكمة أرادها الله الحلال صعب, والحرام سهل, هذه الحكمة. لو أن الحلال سهل, والحرام صعب لأقبل الناس على الحلال؛ لا حباً بالله, ولا طاعة له, ولا تقرباً إليه, لكن لأنه سهل, فالتغت العبادة كلها.
فتجد الإنسان يعمل عملاً مشروعاً, يتعب كثيراً, والجني معقول, وأقل من معقول, وقد لا يغطي نفقاته, و إنسان يسلك طريق الحرام، و يكسب أموالاً كثيرة.
قال له إنسان: أنا موظف بالبريد, لا يوجد عندي شيء, فتحت بيت دعارة؛ أصبح عندي سيارة, من أفخر ماركة, وسكنت في أرقى حي, ودخلي جيد, عملت خمس بيوت.
الآن: الملاهي دخلها كبير جداً, الذين أنشؤوها أرباحهم بالملايين, مبنية على شخص سكران, تعمل له فاتورة بعشرة أضعاف, لا يتكلم ولا كلمة؛ لأنه سكران, تأتي بتجارة مشروعة, يعمل ليلاً نهاراً, يقول لك: أتيت بالرأسين ولم آت بهم.
فلحكمة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعب, والحرام سهل, هذا امتحان صعب.
((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
[ورد في الأثر]
الحكمة تبدو في حسن الاختيار والمؤمن يختار ما يقربه إلى الله :
كل العقل, وكل الحكمة تبدو في حسن الاختيار, والمؤمن يختار ما يقربه إلى الله, ولو كان خشناً, ويبتعد عما تزل به قدمه, ولو كان ناعماً.
هذا الذي يقوله الحكماء: حسن الاختيار, وأنت أمام آلاف الخيارات كل يوم.
أقرب مثل واضح: قد يأتي إنسان غني جداً, وقد يأتي إنسان مختف, المختفي دين, والغني غير دين.
مرة قال لي شخص يمشي في الحريقة: أريد أن أستشيرك استشارة, قال لي: خطب ابنتي شخص, لا يوجد عنده مشكلة أبداً؛ هناك معمل باسمه, وسيارة باسمه، لكن دينه رقيق, ماذا أفعل يا أستاذ؟ قلت له: الله عز وجل قال:
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:221]
والله ليس ديناً كثيراً, يبدو هناك ضغط عليه داخلي, فزوجها, بعد سبعة عشر يوماً طلقها.
الله عز وجل يمتحن الإنسان دائماً في الدنيا :
البطولة أن تحسن الاختيار, ودائماً الاختيار صعب, والله عز وجل يمتحننا, نحن مبتلون في الدنيا:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:30]
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
[سورة الملك الآية:2]
الخيار فيه صعوبة وفيه امتحان
حتى يمتحننا, دائماً الخيار صعب.
مثلاً: لو خيرتك بين دراجة وسيارة, لن تجد صعوبة في الاختيار, تختار السيارة, أنا أريد أن قدم لك هدية, تحب سيارة أم دراجة؟ لا تتردد ثانية في قبول السيارة, لكن أحياناً يكون الخيار صعباً, شيء تركبه في وقت محدد, وشيء تتملكه, أختار التملك؛ لكن التملك أقل من الشيء المحدود.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية:14]
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾
[سورة الأعلى الآية:15]
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة الأعلى الآية:16]
﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة الأعلى الآية:17]
سحرة فرعون وقفوا منه موقفاً لا يصدق :
الآن: سحرة فرعون وقفوا موقفاً لا يصدق, كلمة فرعون الآن ليس لها قيمة بعدما مات ومضى على موته ستة آلاف سنة, أما عندما كان فرعون حياً وأنت أحد رعاياه, فكلمة (ف) ترتعد الفرائص منها, قال لهم:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾
[سورة طه الآية: 71-72]
يدك وما تعطي.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة طه الآية:72]
﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:73]
موقف يهد الجبال, طبعاً الناس يخافون, لم يخافوا.
الإنسان يشقيه اختياره ويسعده اختياره :
الحسن البصري أدى رسالة العلماء, كان في عهد الحجاج, أدى الرسالة, وبيَّن و لم يصمت, فلما بيّن, وبلغ الحجاج ما قال فيه، قال: يا جبناء, والله لأروينكم من دمه, فأمر بقتله -قضية سهلة جداً- فجاء بالسياف, والسياف مد النطع استعداداً لقطع رأس الحسن البصري, فلما جيء به لقطع رأسه, ورأى السياف, ورأى كل شيء جاهزاً, علم أنه منته, فدعا الله عز وجل, بدعاء لم يفهمه أحد, فإذا بالحجاج يقف له, ويستقبله, ويقول له: أهلاً بأبي سعيد, أنت سيد العلماء؛ ويسأله, ويستشيره, ويضيفه, ويعطره, ويشيعه إلى باب القصر, من الذي صعق؟ السياف, والحاجب, تبعه الحاجب قال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك وأنت داخل؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
فالإنسان يشقيه اختياره, ويسعده اختياره.
الحوار الذاتي أحيانا هو سبب سعادتك
تصور إنساناً جالساً في خيمته, في معسكر المشركين, رجل من زعماء غطفان, من أكابر غطفان, جاء مع قومه, ليقاتل النبي في معركة الخندق, جالس في الخيمة مساء, يبدو أنه لم يستطع أن ينام, عانى من الأرق ما عانى, فخاطب نفسه, -هذا الحوار الذاتي أحياناً هو سبب سعادتك-, قال: يا نعيم, أنت رجل عاقل, ما الذي جاء بك إلى هنا؟ جئت لتقاتل هذا الرجل؟ ماذا فعل هذا الرجل حتى تأتي لتقاتله؟ إنه لم يسفك دماً حراماً, ولم يغتصب مالاً, ولم ينتهك عرضاً, وحوله رجال صالحون, أيليق بك أن تأتي من بلاد بعيدة لتقاتل هذا الرجل وأنت العاقل؟ -حوار ذاتي, رأى نفسه خاطئاً-, وقف من توه, توجه إلى معسكر المسلمين, ودخل على النبي -عليه الصلاة والسلام-, فالنبي يعرفه, قال له: نعيم!! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ قال له: جئت لأسلم, جئت لأشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, -قلت لأخواننا في خطبة مرة: هذه لحظة صفاء, لحظة حوار ذاتي, لحظة صدق-, قال له: مرني ماذا أفعل، قال له: أنت واحد، خذل عنا ما استطعت، والمسلمون كانوا على وشك أن ينتهي الإسلام, هذه كانت حرب استئصال, حرب إبادة, المشركون عددهم عشرة آلاف, جاؤوا ليستأصلوا شأفة المسلمين, قال له: أنت فينا واحد, خذل عنا, أروع ما في القصة أن يستخدم الإنسان ذكاءه, وحكمته في الحق, فهو لم يعلم أحد بإسلامه؛ فذهب إلى اليهود, وقال لهم: إنكم تواطأتم مع قريش على حرب محمد, لكن قريشاً إن لم تفلح, عادت إلى بلدها, ومعها أهلها, ونساؤها, وانفرد بكم النبي فقتلكم, فأنا أنصحكم ألا تقبلوا أن تحاربوا النبي مع قريش, إلا إذا أخذتم الرهائن, حتى لا يتركوكم, ليذبحكم محمد, اقتنعوا, وذهب إلى قريش, قال لهم: اليهود ندموا على خيانتهم لمحمد, فأرادوا أن يأخذوا منكم رهائن, ليقدموهم للنبي, ليذبحهم, ويعفو عنهم النبي, أيضاً اقتنعوا, فوقع الشقاق بينهم, والله عز وجل ساعد المسلمين فأرسل ريحاً عاتية؛ أطفأت نيرانهم, وقلبت قدورهم, وقلبت خيامهم, وملأت عيونهم تراباً:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
موقف ضعاف الإيمان من الله و رسوله :
رقيق الإيمان يفقد إيمانه عند رؤية الظلم
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية:12]
أحياناً الإنسان يقول لك: أين الله؟ يجد المسلمين معذبين, مقهورين, والأغنياء قوة, وقال: سيطرة عنجهية, تصرف وحشي, وتصريحات كلها غطرسة, ويقول لك: أين الله عز وجل؟ لماذا لا ينصرنا؟ قال:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية:23]
فالله عز وجل نصرهم, وأعطاهم.
حكمة الإنسان تظهر في حسن اختياره :
هنا محور الدرس اليوم: حكمتك تظهر في حسن اختيارك؛ وقد تختار الشيء الناعم الكثير, فتزل به القدم, وقد تختار الشيء الخشن القليل, فتسعد به, وترقى إلى أبد الآبدين, قد تختار حرفة دخلها كبير, لكنها لا ترضي الله عز وجل؛ مبنية على معصية, مبنية على إيذاء الناس, وقد تختار حرفة دخلها قليل, لكنها ترضي الله.
فالبطولة أن تكون مع الله, والاختيار في حد ذاته بطولة, والاختيار لن يكون سهلاً.
أحياناً إنسان تقع مشكلة بين زوجته وأمه؛ الأم غالية, والزوجة غالية, فالخيار صعب, لو كان خياراً سهلاً لا يوجد مشكلة أبداً, لا يوجد تردد, أما الخيار فدائماً صعب.
تجد مع المعصية هناك دخل كبير, مع المعصية هناك عز, أحياناً مع المعصية هناك شعور بالأمن, ومع الطاعة هناك خوف أحياناً.
فعندما يوقن الإنسان أنه ما من إله إلا الله, وكل اختيار طيب، تكون العاقبة له.
العاقل من يختار الشيء الصحيح مهما كانت الظروف المحيطة به :
انظر الآن الله عز وجل قال:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:12]
الكافر تجده يمشي بالعرض, لكن الله قال:
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:12]
أو انظر إلى الذين عارضوا النبي -عليه الصلاة والسلام-, هم في مزبلة التاريخ, انظر إلى الذين نصروه, هم أعلام, في أعلى عليين.
فأنا عندما أختار اختياراً صحيحاً لا تهمني الظروف المحيطة بي.
شخص يحمل شهادة عليا, ويعمل في مهنة راقية جداً, في قصر العدل, وجد أن الدخل مشبوه, والحرفة مبنية على سلوك لا يرضي الله عز وجل, ترك وفتح بقالية, والآن هو في بحبوحة كبيرة, العملية ليست سهلة.
الغريق يتعلق بقشة أمل والبعض يستغل هذا
مثلاً: الإنسان إن وقع في مشكلة فهو أعمى, يقول لك: مئة ألف أول دفعة, لتعمل مذكرة صغيرة, مئة ألف ثانية, مئة ألف ثالثة, مئة ألف رابعة, وأنت تعلم أن الدعوى لا تنجح إطلاقاً, لا يوجد أمل بنجاحها, ولا بالمليون واحد, لكن هو الغرقان, يريد قشة يتعلق بها ليستغله.
بعض الحرف يستغلون الوضع النفسي الصعب للإنسان؛ قد يكون ابنه في سجن, أو في أمن اقتصادي, أو عليه مشكلة, يقول له: أريد نصف مليون, والله! القاضي بطنه كبير, رأساً يتهم بالقاضي, والقاضي قد يكون بريئاً من هذا الشيء, فالنتيجة يأتيه دخل كبير جداً.
هناك شخص بنى ثروة طائلة, يأتي لعند شخص عنده مستودعات, يقول له: والله! رأيت على طاولة فلان مذكرة مداهمة لمستودعاتك انتبه, مسكين, يجعله يعمل حوالي عشرين يوماً في الليل والنهار, يستأجر مستودعات ثانية, ينقل كل بضاعته، والقصة ليس لها أصل, بعد ذلك: يقول له: والله أنا أستطيع أن ألغي الموضوع كله, لكني أحتاج إلى مليون ليرة, أصحاب الأمر ليس لهم علاقة, هو ذكي جداً؛ بنى ثروة طائلة, لكن بعد ذلك لقي نتيجة عمله بشكل مخيف, الجاهل عدو نفسه.
فدائماً: اختر الاختيار الصحيح بكل شيء؛ لو كان خشناً, لو كان دخله قليلاً, لو كانت الزوجة درجة ثانية؛ اختر الإيمان, اختر شيئاً يقربك من الله, وابتعد عن شيء يبعدك عن الله.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 823
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى