موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 2:59 am


موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة
وسائل الدعوة إلى الله
مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية عظيمة و شاقة، لأنها تصطدم بالأهواء و الشهوات، هذه الأهواء والشهوات أصبحت جزءاً من كيان كثير من الناس، تصطدم أيضاً بالاعتزاز بالقيم السائدة و الموروثة والطارئة، وما يتلبس بها من مصالح مادية و نفعية، تصطدم هذه المهمة مع أعداء الإسلام الذين يرفضون الهداية و يكيدون لمن حمل لواءها، تصطدم هذه المهمة مع ما يحمله الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر من رغبات في حبّ الراحة، والخلود إلى الرخاء، لذا فالأسلوب الأفضل لإنجاح هذه المسؤولية هي أن نعمل بها - متابعة القراءة
الدعوة الصامتة
مع أن الأنبياء و المرسلين جاؤوا بالكلمة الطيبة، جاؤوا بالكلمة فغيروا وجه الأرض، جاؤوا بالكلمة فأقاموا مجتمع العدل، جاؤوا بالكلمة فسعد الناس بكلمتهم، و لكن حينما تبتعد الكلمة عن الواقع، وحينما تكون الكلمة في واد والواقع في واد آخر، يزهد الناس بالكلمة، ولا يعطونها حقها، بل ويسخرون منها، في مثل هذه الأحوال الاستثنائية حينما يكفر الناس بالكلمة، ولو أنها صادقة، لأن هناك مسافة كبيرة جداً بين الكلمة و بين الواقع يحتاج الناس إلى عمل - متابعة القراءة
صفات المسلم المؤثر
من أجل أن تُحدث تأثيراً فيمَن حولك، من أجل أن تكون هادياً مهدياً، من أجل أن تُسهم في ترسيخ الحق، من أجل أن تسهم في توسيع دوائر الحق، لابد من أن تكون في دائرة التأثير، فإما أن تكون في دائرة التأثير، وإما أن تكون خارج هذه الدائرة ؛ فلا أحد يعبأ بكلامك، ولا أحد يلتفت إليك، ولا أحد يصغي إليك، ولا أحد يقتدي بك - متابعة القراءة
اثنية الحق والباطل
من الثابت أن في الحياة الدنيا ما يسمى بالاثنينية، أي ؛ حق وباطل، خير وشر، صواب وخطأ، رحمة وقسمة، إنصاف وظلم، كل القيم لها شكل إيجابي وشكل سلبي، السبب أن البشر على اختلاف شكلهم ونحلهم نموذجان: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ - متابعة القراءة
خصائص الدعوة الصامتة - شروط ومظاهر الدعوة بالحال
حينما فشا الكذب، وفشا التزوير، وفشا الفساد في الأرض، والإنسان في الأصل منطقي، فكل إنسانٍ انحرف غطَّى انحرافه بكلام، أو أنه تكلَّم كلاماً لا يؤكِّده الواقع، فالذي حصل مع مرور الأيام أن الناس زهدوا بالكلمة ـ أيَّة كلمة ـ والدعاة إلى الله سلاحهم الأول الكلمة، فلابد من أجل أن ينتشر الحق من أن تدعَّم هذه الكلمة بواقعٍ متألِّق - متابعة القراءة
جديد الموقع
١- الحديث الشريف: لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه
٢- الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح
٣- الحديث الشريف: الظلم ظلمات يوم القيامة

الإيمان هو الخلق
١- حقيقة التوحيد ولوازمه
٢- ثمار التوحيد
٣- محصلة التوحيد
٤- الشرع تعليمات الصانع

avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:04 am

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
أيها الأخوة المؤمنون عالم من علماء المسلمين سئل: هل يصل ثواب قراءة القرآن على روح الميت إلى الميت ؟ فقال: دعونا من الأموات وهل بإمكانكم أن توصلوا هذا القرآن إلى الأحياء ؟ الأحياء الذين يعيشون بين أظهرنا، هؤلاء المسلمون الشاردون عن الله عز وجل هل بإمكانك أن توصل إليهم هذا القرآن ؟ لذلك حين قال الله عز وجل:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[سورة آل عمران:110]
هل بإمكانك أن توصل القرآن إلى الأحياء
علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بما عرفته النفوس السليمة من خير وهو الدين، وما أنكرته الفطر السليمة من الشر، الفطر السليمة تعرف الخير ابتداء، وتعرف المعروف ابتداء، وتنكر المنكر ابتداء.
أيها الأخوة الكرام ؛ لعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة في الإسلام، إن صح أن هناك فريضة سادسة فهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما سكوت المسلمين عن المنكرات، ومجاملتهم لأصدقائهم، وإيثار أسلوب المديح على أسلوب النصيحة فهذا أوقع المسلمين في شرّ أعمالهم، مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية عظيمة و شاقة، لأنها تصطدم بالأهواء و الشهوات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصطدم بالمصالح والشهوات
هذه الأهواء والشهوات أصبحت جزءاً من كيان كثير من الناس، تصطدم أيضاً بالاعتزاز بالقيم السائدة و الموروثة والطارئة، وما يتلبس بها من مصالح مادية و نفعية، تصطدم هذه المهمة مع أعداء الإسلام الذين يرفضون الهداية و يكيدون لمن حمل لواءها، تصطدم هذه المهمة مع ما يحمله الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر من رغبات في حبّ الراحة، والخلود إلى الرخاء، لذا فالأسلوب الأفضل لإنجاح هذه المسؤولية هي أن نعمل بها، قال تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[سورة آل عمران:104]
وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ينبغي ألا تسكت عن الخطأ، ليس المقصود أن تفضح، المقصود أن تنصح، انصح هذا المسلم فيما بينك و بينه، دون أن تشهر به، الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، شهر به، وإن رضي به شاركه في الإثم، وإن عيّره ابتلي به، ينبغي ألا تشهر به، وألا ترضى به، وألا تعيره، ينبغي أن تنصحه، ينبغي أن تقيم الفريضة السادسة.
نماذج ووسائل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب الله و سنة نبيه :
1 ـ أسلوب الخطاب :
الأسلوب الأول أن تتوجه بالخطاب إلى الناس
أيها الأخوة الكرام ؛ الله جلّ جلاله وعز نواله جعل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه الكريم وفي سنة نبيه عليه الصلاة و السلام نماذج ووسائل وطرائق، الأسلوب الأول في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أسلوب الخطاب، أن تتوجه بالخطاب إلى هؤلاء الناس، بحكمة وموعظة حسنة، النبي عليه الصلاة و السلام جمع عشيرته الأقربين، كما قال الله له:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 214 ]
قال: يا بني عبد المطلب إني واللهِ لا أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 214 ]
أول شيء أقرب الناس إليك، عليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة مبدئياً، مبدؤك: عليك بخاصة نفسك، وإخوانك، وجيرانك، وأصدقائك، وزملائك، وأولادك، وأقربائِك:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 214 ]
بخطاب مباشر، بالحكمة والموعظة الحسنة.
2 ـ أسلوب القصة :
أيها الأخوة الكرام ؛ هناك أسلوب آخر يفعل فعلاً لا يصدق، أسلوب القصة، إنسان استمع إلى قصة في شريط، و كان مقيماً على عمل من أقذر الأعمال، يرتب الأفلام الإباحية، فلما قرأ قوله تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج:12]
الطريقة الثانية الأسلوب القصصي وسورة يوسف أكبر مثال
وشُرحت هذه الآية بقصة أو بعدة قصص، القصة أحياناً تفعل في النفس فعل السحر، ذلك أن طبيعة القصة تشد المستمع إليها، تجعله متعلقاً بها، بشخصياتها، بحوارها، بحوادثها، ببدايتها، بعقدتها، بنهايتها، بعظتها، بعرضها، بسردها، بتحليلها، بوصفها، القصة عمل فني رائع جداً، والله عز وجل في أطول قصة في القرآن الكريم، قصة يوسف عليه السلام، حوادث، وشخصيات، وبداية، وعقدة، ونهاية، وسرد، وتحليل إلى أن تؤمن:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة يوسف: 21]
لو قلت للناس:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾
[سورة يوسف: 21]
من دون هذه القصة، هذه العبارة المجردة المباشرة لا تفعل فعلها في النفس، أحياناً القصة تعطيك حقائق كثيرة، لكن القصة لها ميزة أنها تعطيك الحقائق مع البرهان عليها، واقعية، لأنها وقعت، فكم من مجلس انعقدت فيه توبة بقصة تليت، كم من إنسان ارتدع عن منكر بقصة مؤثرة استمع إليها، بل إن القصة لا تنسى، طبيعة حوادثها، و طبيعة تسلسلها تجعلها تُحفظ، فالقصة تشد الآذان إليها، تتعلق النفس بها، تتفاعل مع النفس أشدّ التفاعل، لأنها تتحدث عن أحياء، عن بشر، لذلك السعيد من اتعظ بغيره، والشقي يتعظ بنفسه:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[سورة يوسف:111]
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾
[سورة يوسف:3]
علم من تعرف ما تعلمت فهو فرض عين في حدود ما تعلم
فحينما تستمع إلى قصة من بدايتها إلى نهايتها، وفيها دلالة صارخة على عظمة الله، أو على روحانية الله، أو على عدل الله، أو على رحمة الله، هذه القصة سجلها في دفترك، وحاول أن تسمعها الآخرين في مجالسك.
أيها الأخوة ؛ الجهاد ذروة سنام الإسلام، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد، من لم يجاهد، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق، و الجهاد الدعوي فرض عين على كل مسلم، أن تعلم الناس ما تعلمت، الدعوة كفرض عين أن تعلم ما تعلمت، أن تعلم في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، فقصة مؤثرة، إنسان مرابٍ دُمِّر ماله، إنسان زان أفقره الله عز وجل، إنسان معتد أثيم أهلكه الله عز وجل، قصة متقنة بتسلسلها، و حوادثها، و بيئتها، و تفاعلها، هذه إحدى أكبر أساليب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أسلوب القصة، لا سيما أن أساليب القصة هي أسلوب حديث جداً، و له تأثير كبير، فبدل أن يستخدمه أهل الكفر لترسيخ قيم الإباحية و قيم التفلت من منهج الله عز وجل، ينبغي أن يستخدمه المؤمنون في سبيل ترسيخ قيم الحق و إشاعة الفضيلة.
3 ـ أسلوب المثل :
أيها الأخوة الكرام ؛ وفوق القصص هناك أسلوب آخر هناك أسلوب المثل، فقد قال الله عز وجل:
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[سورة إبراهيم: 25]
أحياناً الفكرة مجردة بعيدة عن الأذهان، معقدة، يأتي مثل فيوضحها، و المثل أسلوب رائع جداً في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أنا لا أريد من إخوتنا الأكارم أن يفهموا أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أن تقف في الناس خطيباً تقول: افعلوا و لا تفعلوا، هذا أسلوب الوعظ أصبح الآن بعيداً عن قبول الناس، دعك من أسلوب الوعظ، دعك من أسلوب الخطاب عالي النبرات، الحقيقة لها وهج، الحقيقة لها قوة تأثير كبيرة جداً، و لو ألقيتها همساً، والكلام الفارغ الذي لا يعني حقيقة مهما علا صوتك به لا يهز طفلاً صغيراً، فلذلك حينما تتكلم بهدوء و بحقائق و أدلة، الإنسان يحب وجوده، و غاية وجوده، و سلامة وجوده، و يحب استمرار وجوده، فإنه يتأثر بالأمثلة، و يتأثر بالقصة والمثل أضعاف ما يتأثر بالأسلوب الخطابي.
أيها الأخوة الكرام ؛ الله عز وجل ضرب أمثالاً كثيرة في كتابه، و النبي صلى الله عليه و سلم ضرب أمثالاً كثيرة في سنته، فقال تعالى:
﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة العنكبوت: 41]
وصف الله بيت العنكبوت بالواهن فالأمثال من أساليب الدعوة
الحقيقة هذا الوهن وهن اجتماعي، خيط العنكبوت لو سُحب بقطر ميليمتر لكان أمتن من الفولاذ، خيط العنكبوت أمتن من أمتن عنصر، لكن ضعف هذا البيت من سوء العلاقة بين الزوجين:
﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة العنكبوت: 41]
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر: 29]
النبي الكريم حدثنا عن قوم ركبوا سفينة، واستهموا أماكنهم فيها، فكان بعضهم في أعلاها و بعضهم في أسفلها، أراد الذين في أسفلها أن يخرقوا ليأخذوا الماء مباشرة، فقال عليه الصلاة و السلام: فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك و هلكوا، المسلمون في قارب واحد، ما من مثل جاء به النبي أبلغ من هذا المثل، نحن جميعاً في قارب واحد، فالذي ينحرف إن تركناه هلك وهلكنا معه، وإن أخذنا على يديه نجا ونجونا معه، فلو تتبعت أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام رأيت المثل رائعاً، الصلاة عماد الدين- عود الخيمة- من أقامها فقد أقام الدين، و من هدمها فقد هدم الدين، لو نزعت عمود الخيمة، يبقى القماش فقط، كانت بيتاً فأصبحت قماشاً.
الصلاة كعمود الخيمة يقيمه فإن زال أصبحت قماشا
هناك أحاديث كثيرة، وهناك قصص رائعة رواها النبي عليه الصلاة و السلام، مثلاً قال تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾
[ سورة الجمعة: 5 ]
لو حملت على دابتك كتاباً ماذا وعت من هذا الكتاب؟ ماذا وعت هذه الدابة من هذا الكتاب؟ و قال تعالى:
﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾
[ سورة الأعراف: 176 ]
قال تعالى:
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾
[سورة المدثر: 50]
وقال تعالى:
﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾
[ سورة المنافقون: 4 ]
قال:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان : 44]
أيها الأخوة الكرام ؛ قيمة المثل أنه يجسد الحقيقة المجردة في شكل حسي ملموس: من يهن يسهل الهوان عليه، فكرة كيف نفهمها ؟ قال: ما لجرح بميت إيلام، معنى ذلك أن الإهانة إذا تكررت على إنسان ميت القلب لا يتأثر بها.
4 ـ التمثيل العملي :
شيء آخر التمثيل العملي، ماذا فعل سيدنا إبراهيم ؟ كسر أصنام قومه، وحينما سئل قال:
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾
[سورة الأنبياء: 63]
أجرى لهم صدمة، إذًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس معناه أن تقف خطيباً وتعظ الناس، و الخطابة كما قلت قليل ملّها الناس لأن المصداقية لم تكن واضحة فيك، فلذلك حينما تنوع من خطاب إلى قصة، إلى مثل، إلى تمثيل عملي، هذا كله يؤدي إلى أن الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بأساليب منوعة.
5 ـ الحوار :
الحوار اسلوب من أساليب الدعوة
شيء آخر ؛ هناك أسلوب آخر هو الحوار، أنت حينما تحاور إنساناً، وتتخذ معه قواعد ثابتة، أسساً ثابتة، مقاييس ثابتة، عندئذ يحاصر، حينما تجعله مستمعاً فقط هو يريد أن يعبِّر عن نفسه، عن فكرته، عن قناعته، وإذا منعته أن يتكلم و أمليت عليه إملاء نفر من هذه الدعوة، أما لو جلست معه بحوار هادئ، سألك و أجبته، سألته وأجابك، لا بد من أن يصل المتحاوران بهدوء وبقناعة، والمؤمن يستخدم الأساليب الحديثة في الحوار، حينما توضع ثوابت للحوار، نعتمد الكتاب، نعتمد السنة معه، نعتمد أفعال الصحابة، نعتمد البرهان العلمي، نعتمد البرهان الفطري، البرهان الواقعي، حينما تتخذ البراهين بشكل منظم، وتبدأ بالحوار، لاشك أن هذا الحوار ينتهي إلى الهدى إن شاء الله.
مثال على الأسلوب العملي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
أرض جرداء ليس فيها شيء، جاء كل صحابي بعود، أصبح عندهم كمّ كبير، فإذا أُشعل أصبح ناراً عظيمة، كذلك المسلم ترك الكبائر و انغمس في الصغائر، هذه كلها تجتمع عليه حتى تهلكه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يجري دعوة عملية. هناك أيها الأخوة في أسلوب الحوار عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
((لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
أرأيتم الحوار و التمثيل لما قال: اجمعوا لي عيداناً؟ أرأيتم أسلوب القصة؟ أرأيتم أسلوب المثل؟ أرأيتم أسلوب الخطاب المباشر؟
6 ـ أسلوب الاقتداء :
الأسلوب الأخير للدعوة أن تكون قدوة
أيها الأخوة الكرام ؛ أما الأسلوب الأخير فهو أسلوب الاقتداء، يكفي أن تكون أنت صادقاً، فصدقك دعوة إلى الله، يكفي أن تكون أميناً، أمانتك دعوة إلى الله، يكفي أن تكون عفيفاً، عفتك أمر بالمعروف و نهي عن المنكر، أنت حينما تطبق أحكام الشرع تكون داعية من أكبر الدعاة وأنت صامت، أسلوب القدوة.
توصلنا في هذه الدقائق المعدودة من هذه الخطبة إلى أن الخطاب المباشر، وأسلوب القصة، وأسلوب المثل، و الأسلوب العملي و الحوار و القدوة، هذه بعض الأساليب التي ينبغي أن يتبعها المسلمون في الدعوة إلى الله، عندك مثل رائع سجله عندك، عندك قصة مؤثرة اكتب رؤوس أقلامها في دفترك، إذا جلست في وليمة، في ندوة، في سهرة، في لقاء، في عيادة مريض، في مناسبة اجتماعية، في سفر، حاول أن تنقل الحق بأطر جديدة، حاول أن تنقل الحق بأساليب فريدة، حاول أن تنقل الحق بأسلوب يتغلغل في أعماق الإنسان، ذلك أن كل إنسان عنده أفكار قد تكون مغلوطة، و عنده قيم قد تكون مهترئة، و عنده تصورات قد تكون غير صحيحة، هذه تمسك بها، وألفها، و اعتاد عليها، من الصعب جداً أن تخترقها بخطاب مباشر، لا بد من أسلوب آخر، فأسلوب القصة يتغلغل في خطوط دفاع الإنسان، يتغلغل، فقد تنتصر على الطرف المتمسك بتقاليد عمياء، وأعراف جهلاء، أنت بأسلوب الحوار أو القصة أو المثل أو التمثيل العملي، أو القدوة تستطيع أن تفعل فعلاً كبيراً.
أيها الأخوة الكرام ؛ إن شاء الله في أسبوع قادم أتحدث عن الدعوة الصامتة بالتفسير، كيف يمكن أن تكون أكبر داعية إلى الله و أنت ساكت، و أنت في عملك يمكن أن تفعل فعل السحر فيمن حولك، وأنت ساكت لا تنبس ببنت شفة، لأن القيم التي تتمثلها، و المبادئ التي تعتنقها، والأساليب التي تنتهجها هي في حدّ ذاتها دعوة كبيرة.
أساليب الدعوة إلى الله ينبغي أن تسير في مراحل معينة :

أيها الأخوة الكرام ؛ بقي شيء آخر هو أن هذه الأساليب، وهذه الخطط ينبغي أن تسير في مراحل، و هذه المراحل يمكن أن تفيدنا فائدة عظيمة، الطرف الآخر له قيمه الأرضية، له مبادئه الشيطانية، له أساليبه الخبيثة الماكرة ينبغي أن تفندها، إن فندت ما عند الطرف الآخر من أعداء الدين تكون قد فعلت شيئاً دقيقاً و هو الوقاية من الكفر، الله عز وجل يقول:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
[سورة محمد: 1]
معنى ذلك أن الذي تاه عن الله و شرد عنه لا بد من أن يفعل شيئاً فيه انحراف خطير.
فيا أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من أن يكفر الإنسان بالكفر حتى يؤمن، ما دامت قيم الكفار كبيرة، قيم الكفر عالية، مادمت أساليب الكفار في الحياة في مطمح الإنسان فالطريق إلى الله ليس سالكاً، هذه حقيقة أيها الأخوة نعلق عليها أهمية كبيرة، ينبغي أن تجرح القيم السائدة التي أساسها انحراف الإنسان عن ربه.
شيء آخر في هذا الموضوع وهو تحطيم الحواجز النفسية بين الناس و العقيدة الصحيحة، لا تأت بكمٍّ كبير فجائي يرهق المدعو، ائته بفكرة واحدة، بعلاقته بأولاده، لا تحاول أن تعطيه المنهج دفعة واحدة، هذا لا يستطيعه، و قد يرفضه كله، و هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل: 125]
التدرج في الدعوة إلى الله شيء مهم جداً :
التدرج في الدعوة شيء مهم جدا
إذًا التدرج في الدعوة مهم جداً، إن سألك أجبه، أما أن تعطيه كل المحرمات دفعة واحدة، و قد ترسخت في كيانه، و تغلغلت في بنيته النفسية، عندئذ يرى الدين شيئاً فوق طاقته، أما حينما تستعين على حاجاته الأساسية، كل إنسان يحتاج إلى الأمن، فإذا بيّنت له أن المؤمن يملأ الله قلبه أمناً، إن الله يعطي الصحة و الذكاء والجمال للكثيرين من خلقه، و لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، هذا شيء دقيق جداً، فإذا استعنت بحاجات الإنسان الأساسية، حاجته إلى الرزق، قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
[ سورة الجن: 16-17]
وقال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف 96 ]
فالإنسان متعلق برزقه، فإذا رأى الإنسان أنه إذا استقام على أمر الله هيَأ الله له رزقاً حلالاً، فأنت استعنت بحاجاته الأساسية، وأنت حينما تطمئنه أنك إذا عرفت الله ملأ قلبك أمناً، أحد أساليب نجاح الدعوة أن تستعين على المدعو بحاجاته الأساسية التي يسعى إليها.
يا أيها الأخوة الكرام ؛ ثم إن إبعاد الناس عن السلوك الجاهلي، حفلة مختلطة يجب أن تنصحه، هذا الاختلاط يدمر حياتك الزوجية، هذا الوضع، هذه العلاقة لا ترضي الله عز وجل، هذه العلاقة لغم قد ينفجر في وقت لست مهيأ له أنت، فحينما يتبين لهذا المدعو أن كل شيء يفعله مخالف لمنهج الله عز وجل هو قنبلة سوف تدمره في وقت ما يبتعد عنه. ثم إن في الدعوة إلى الله كما ذكر الله عز وجل أسلوب المودة، قال تعالى :
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة سبأ: 24]
الأجواء الإيمانية تقرب من تدعوه إلى الله
أي لا تجعل نفسك وصياً، لا تجعل نفسك منظراً، لا تجعل نفسك مستعلياً، ينبغي أن تتواضع لمن تعلِّم، تواضع لمن تعلم، و ينبغي أن تتواضع لمن تتعلم منه، مودة الداعية مع الآخرين أحد أساليب سلوك الحقيقة إليه.
ثم أيها الأخوة لا بد من أن تهيئ لهذا المدعو جوًّا مريحاً، فالأجواء الإيمانية تقربه إلى الله، و الأجواء الشيطانية تبعده عن الله، فلا بد للمدعو من مجلس علم، من مجلس مذاكرة، من سهرة فيها شباب مؤمنون، لا بد من جو اجتماعي يوضع فيه هذا المدعو، أما إذا كان من حوله فسقة، ومنحرفون، فهذا الجو جو معصية، جو إباحية، جو كفر، جو دنيا، ليس في هذا الجو ما يقرب إلى الله عز وجل، فهذا المدعو لا ينبغي أن تتركه وحده، ألقيت عليه محاضرة وتركته، هو محاط بأصدقاء منحرفين، محاط بأناس شهوانيين، أما إذا أتيت به إلى مجلس علم فيه أدب ووقار وعلم، فحينما تأتي به إلى حفلة لأناس مؤمنين، يرى الكلمة الطيبة والإيناس، يقترب من الحق، إذًا يجب أن تعوِّده على ارتياد المساجد، يجب أن تعوده على صحبة الصالحين، القاعدة أيها الأخوة أن : "الجليس الصالح خير من الوحدة، لكن الوحدة خير من جليس السوء " .
هذه بعض معالم التطبيق لعل الله سبحانه وتعالى يلهمكم أن تستخدموها، ذلك أن الحق إن لم ينمُ، الباطل ينمو، الباطل ينمو ويحاصر الحق، والباطل يضيق على الحق.
أركان النجاة :
لذلك جعل الله أركان النجاة أربعة، أحد هذه الأركان " وتواصوا بالحق..." أركان النجاة فقط، من أجل الحفاظ على وجود الحق، ينبغي أن تدعو إليه، وكما قلت لكم من قبل: حينما تؤصل حقائق الدين، و تأتي بالبراهين القوية عليها، فهذه دعوة إلى الله كبيرة، وحينما تؤصل أيضا قواعد الخير في المجتمع، وحينما تهيئ أجواء إيمانية، أكبر شيء الآن يبعد الناس عن الدين الأجواء غير الإيمانية، حفلات مختلطة، جلسات فيها منكرات، فيها غيبة، فيها نميمة، فيها شهوات مبذولة، بشيء رخيص بلا ثمن، فالإنسان بحكم تعلقه بالشهوات ينجذب إلى هذه المجالس، فإن كان هناك مجالس أخرى، مجالس إيمان، مجالس ذكر، فأن يرتاد الإنسان بيوت الله، و يكون له مجلس علم يحضره، هذا من أكبر الأسباب التي تحثه على طاعة الله.
أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فضل المساجد و آدابها و أحكامها :
أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الإمام عليٌّ كرم الله وجهه: "من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان ؛ أصاب أخا في الله ..."، قد تنشأ أخوة صادقة عن طريق المسجد، من يرتاد المساجد ؟ المؤمنون، من يرتاد المساجد ؟ الورعون، المستقيمون، من يرتاد المساجد ؟ الذين يطلبون العلم، فأنت حينما تأتي إلى المسجد ترى نخبة من الأخوة الكرام قدومك إلى المسجد يجمعك مع النخبة من المسلمين
فلو اتخذت منهم صديقاً أو صاحباً أو معيناً؟ والنبي عليه الصلاة و السلام أمرنا أن نتآخى اثنين اثنينِ، الحد الأدنى ينبغي أن تتخذ لك أخاً مؤمناً، تتفقده و يتفقدك، و تنصحه و ينصحك، وترشده و يرشدك، و تأخذ بيده و يأخذ بيدك، هذا تستفيده من المسجد، لكن في أمكنة أخرى قد تجد المكر و الخداع، و الضغينة و الحقد، و الإيذاء، لذلك: " من اختلف إلى المساجد أصاب إحدى ثمان؛ أخاً في الله، أو علماً نافعاً- قد تغيب عن ذهنك حقيقة، وهي في غاية الخطورة، تأخذها من المسجد من خلال آية، أو حديث، أو حكمة، أو لفتة، فالإنسان كائن يدرك، وهذه القوة الإدراكية تحتاج إلى غذاء، ألا هو العلم- أو آية محكمة- وقد تُفسَّر آية في هذا المسجد، أنت في أمس الحاجة إليها، تفسَّر آية تحل مشكلة عويصة في حياتك، تفسر آية تحل عندك مشكلة عويصة في معتقدك، تفسر آية تحل عندك مشكلة عويصة في علاقتك الاجتماعية، إنه شفاء للصدور، القرآن الكريم شفاء، كما أن العسل شفاء للأجسام، القرآن الكريم شفاء للصدور- فالمسجد تكتسب فيه أخاً في الله أو علماً نافعاً أو آية محكمة أو رحمة منتظرة، لأن النبي عليه الصلاة و السلام قال:
((مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
[ أبو داود عن أبي هريرة ]
تشعر براحة، ومع الراحة حكمة، وأقول دائماً:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة البقرة: 269 ]
الحكمة أفضل عطاء إلهي
بالحكمة أيها الأخوة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة تكسب المال الحلال، فيبارك الله لك فيه، و من دون حكمة تكسب المال الحرام فيكون سبب تدميرك، بالحكمة تقلب العدو إلى صديق، ومن دون الحكمة تقلب الصديق إلى عدو، لذلك جعل الله الحكمة من أكبر ثمرات الإيمان:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة البقرة: 269 ]
هذه رحمة منتظرة:
((مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
[ أبو داود عن أبي هريرة ]
أو كلمة ترده عن ردى، مقبل على معصية لم ينتبه لها، مخالفة شرعية كبيرة، استمع إلى حكمها فانتهى، إذًا قد تكون هناك موانع تمنعه من عمل لا يرضي الله عز وجل، أو كلمة تسوقه إلى هدى، تدله على عمل صالح، على خدمة الفقراء والمساكين، على إنقاذ المحتاجين، فإن فعل هذا تألقت نفسه، أو يترك ذنباً خشية، أو يتحلى بحياء رغبة، أن تدع ذنباً، أو أن تكون حيِيًّاً، أو أن تسمع كلمة تردك عن ردى، أو تسوقك إلى هدى، أو رحمة تنتظرها من الله عز وجل، أو آية محكمة، أو علماً نافعاً، أو صديقاً في الله، لذلك:
(( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر ))
[أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري]
الدعاء :
أيها الأخوة الكرام ؛ إني داعٍ فأمِّنوا ؛ اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليه، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد مَن أعطى وذم مَن منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:07 am

حاجة المسلمين اليوم إلى دعوة صادقة أساسها القدوة :
يحتاج الدعاة اليوم إلى تصحيح سلوكهم
أيها الأخوة الكرام، مع أن الأنبياء و المرسلين جاؤوا بالكلمة الطيبة، جاؤوا بالكلمة فغيروا وجه الأرض، جاؤوا بالكلمة فأقاموا مجتمع العدل، جاؤوا بالكلمة فسعد الناس بكلمتهم، و لكن حينما تبتعد الكلمة عن الواقع، وحينما تكون الكلمة في واد والواقع في واد آخر، يزهد الناس بالكلمة، ولا يعطونها حقها، بل ويسخرون منها، في مثل هذه الأحوال الاستثنائية حينما يكفر الناس بالكلمة، ولو أنها صادقة، لأن هناك مسافة كبيرة جداً بين الكلمة و بين الواقع يحتاج الناس إلى عمل، يحتاج الناس إلى أن يعملوا :
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[ سورة التوبة : 105]
لذلك المسلمون اليوم في أشدّ الحاجة إلى الدعوة، المسلمون قبل غيرهم، رواد المساجد قبل غيرهم يحتاجون إلى دعوة صحيحة، يحتاجون إلى تصحيح عقائدهم، و يحتاجون إلى تصحيح سلوكهم، و يحتاجون إلى أن يعرفوا المهمة الكبيرة التي أنيطت بهم، ويحتاجون إلى معرفة هويتهم، يحتاجون إلى أن تكون حركتهم وفق منهج الله عز وجل، لذلك ما من حاجة تشتد في هذه الأيام كحاجة المسلمين إلى دعوة صادقة، و لأن هناك مسافة كبيرة بين الكلمة و بين الواقع لابد من دعوة صامتة، هذه الدعوة الصامتة أساسها القدوة، السؤال الملح ماذا نعمل؟ هناك حالة إحباط عامة، هناك عدو متغطرس، هناك عدو لا يرحم، هناك عدو أعدّ لنا قبل أن نعد له، ماذا نعمل؟
على كل مسلم توطين نشاطاته وفق منهج الله :
تفوق الغرب ثمنه مئات السنين من العمل
أيها الأخوة الكرام، هؤلاء الذين أصبحت قوتهم طاغية في الجانب المادي فقط ثمن هذا التفوق عشرات السنين، بل مئات السنين، فنحن بحاجة ماسة إلى أن نعمل، وقبل أن نعمل ينبغي أن نعرف من نحن؟ ما هويتنا؟ لماذا نحن على وجه الأرض؟ أذكركم دائماً أن الذي يسافر إلى بلد، وينزل في أحد الفنادق، ويستيقظ في صبيحة اليوم الأول، ويرتدي ثيابه، و يسأل: إلى أين أذهب؟ ألا تعلم إلى أين تذهب؟ لماذا جئت إلى هنا؟ إن كنت جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات، لا تصح الحركة إلا إذا عرفت السبب، لماذا أنت هنا؟ لو وسعنا هذا المثل لماذا نحن على سطح الأرض؟ لماذا نحن في الأرض؟ لماذا خلقنا في الدنيا؟ أجابنا خالقنا العظيم قال :
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[ سورة الذاريات : 56]
معركتنا مع الباطل أزلية
أي مسلم هذا يفقه حقيقة العبادة ويوطن نفسه أن يكون عبداً لله؟ ويشكل حياته وفق عبادة الله؟ ويجعل مهنته وحرفته وكل نشاطاته وكل مناسباته وفق منهج الله؟
أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى العمل، إن لم يتح لك أن تجاهد كما ترى بعينيك فلا أقل من أن تجهز غازياً، عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا...))
[ متفق عليه عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
إن لم يتح لك أن تجاهد كما ترى بعينيك بإمكانك أن تخلف مجاهداً في أهله بخير، إن لم يتح لك أن تجاهد كما ترى بعينيك بإمكانك أن تسأل الله الشهادة صادقاً فيكتبها لك و أنت على فراشك، كرم ربنا عظيم، ولكن لابد من أن نعمل، معركتنا معركة أزلية أبدية بين الحق و الباطل، الناس رجلان رجل عرف الله، وانضبط بمنهجه، فسعد بالدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهج الله، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا و الآخرة، و قمم البشر قمتان أنبياء وأقوياء، الأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والناس جميعاً أتباع لنبي أو لقوي.
البشر تابع و متبوع :
البشر إما تابع أو متبوع
أيها الأخوة الكرام، الواقع يؤكد أن من البشر من هو تابع، ومنهم من هو متبوع، في كل حقول الحياة، في عالم الصناعة والتجارة والسياسة والقوة، وفي عالم العلم، تابع ومتبوع، هؤلاء المتبوعون، هؤلاء المتفوقون، هؤلاء الممكنون في الأرض، لهم عند الله سؤال كبير ما مكنهم إلا ليقيموا الصلاة :
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾
[ سورة الحج : 41]
فأي واحد منكم مكنه الله باختصاص معين، بفكر معين، بطلاقة لسان، بقوة تأثير، بإتقان حرفة، بإتقان صنعة، يجب أن يضع هذا التفوق في خدمة المسلمين، و هذا نوع من الجهاد، هناك جهاد نقطف ثماره بعد خمسين عاماً، وقد لا يتح لمن يجاهد بهذه الطريقة أن يرى ثمرة جهاده، لكنه أرسى لبنة في بناء الأمة.
الاكتفاء بذاتنا و بناء أمتنا :
كل شيء يؤكل بذره نستورده ولا نزرعه
أيها الأخوة، مقومات كثيرة نحن في أمس الحاجة إليها، قال علماء الشريعة هناك فروض عينية و فروض كفائية، الفرض الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما إن لم يقم به البعض أصبح فرضاً عينياً على الكل، فنحن في أمس الحاجة إلى أن نكتفي بذاتنا، من منكم يصدق أن كل شيء يؤكل بذره مستورد؟ هذه حقيقة و إن كانت مؤلمة، حينما نبني أمتنا، نبني أبناءنا بناء صحيحاً، هذا نوع من الجهاد، لأن محصلة الجهاد الأكبر جهاد النفس و الهوى في الأمد البعيد نصر محقق، ذلك أن النصر أنواع ثلاثة نصر استحقاقي :
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الروم : 47]
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
[سورة آل عمران : 123]
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[ سورة آل عمران : 126]
غلبت الروم
هذا النصر الاستحقاقي ينزل على أهل الحق حصراً، لكن الله سبحانه و تعالى كريم جعل هناك نصراً آخر، إنه نصر تفضلي، قال تعالى:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
[ سورة الروم : 2-4]
الروم وقتها كانوا أقرب إلى الله من الفرس فنصرهم، لا يعني نصراً استحقاقياً، لكنه يعني نصراً تفضلياً، و إذا سألنا الله النصر فمن هذا الباب نسأله أن ينصرنا نصراً تفضلياً، و النصر الثالث هو النصر التكويني؛ أي فئتان لا تعرفان الله إطلاقاً الأقوى ينتصر، صاحب السلاح الأكثر دقة ينتصر، صاحب الإعداد المتقن ينتصر، فهناك نصر تكويني بين أهل الكفر، و هناك نصر تفضلي بين من هو أقرب إلى الإيمان على من هو أبعد من الإيمان، و هناك نصر استحقاقي يتنزل على المؤمنين الصادقين.
لغة العمل أبلغ من لغة القول :
حين يتقن الطالب دراسته فهو مجاهد
أيها الأخوة الكرام، عود على موضوع سابق، على موضوع الجهاد، جهاد الأعداء فرع من جهاد النفس و الهوى، و أنا أعني ما أقول، يا أيها الأخوة كل واحد منكم في موقعه إذا أتقن عمله، إذا نفع بعمله المسلمين، إذا نصح المسلمين، إذا ساهم في بناء صرح المسلمين، إذا نصح، إذا صدق، إذا أتقن، إذا كان أميناً، قد يكون الطالب و هو على مقعد الدرس مجاهداً إذا أتقن دراسته و نوى أن يكون علمه في خدمة المسلمين، و التاجر إذا جلب بضاعة جيدة و باعها بسعر معتدل، ونفع بها الناس فخفف عنهم متاعب الحياة، هذا التاجر وهو في دكانه مجاهد، و المعلم الذي يبني نفوس الصغار بناء صحيحاً على منهج الله وعلى قيم الدين وهو في صفه مجاهد، لا تدع ملايين الأعمال المتاحة أمامك، والتي تقربك إلى الله، والتي ترفعك عند الله، والتي تسهم في بناء أمة، لا تزهد بهذه الأعمال، وتتطلع إلى نوع من الجهاد ليس متاحاً لك الآن، هناك من يقوم به، وهناك من يهز كيان العدو، وهناك، وهناك، ولكن لا تقف، لا تقل ماذا أفعل؟ إتقان عملك جهاد
قل: أفعل هذا أم هذا؟ لابد من أن توازن بين فعلين، سيدنا عمر حينما كان على مشارف الشام وعلم أن في الشام مرضاً طاعوناً أحجم فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين أفراراً من قضاء الله؟ قال : نعم، نفر من قضاء الله إلى قضاء الله، لو أن واديين أحدهما معشب و الثاني مجدب أين ترعى غنمك؟ إن رعيتها في الوادي المجدب رعيتها بقضاء الله، وإن رعيتها في الوادي المعشب رعيتها بقضاء الله، فينبغي أن تفر من قضاء الله إلى قضاء الله، فإذا كان الجهاد القتالي غير متاح للمؤمنين في شتى بقاعهم فلا أقل من أن يفدوا أمتهم، لا أقل من أن يتقنوا أعمالهم، لا أقل من أن يكونوا عادلين مع خصومهم، حينما تبني نفسك بناء صحيحاً و حينما تبني أسرتك بناء صحيحاً يمكن أن تكون عند الله مجاهداً، وحينما تخلف غازياً في أهله بخير، وحينما تجهز غازياً لابد من أن تكون مجاهداً، وحينما تتبنى طالب علم، وحينما تقيم الإسلام في بيتك لابد من أن تكون مجاهداً، أبواب الجهاد مفتحة على مصاريعها على أوسع زاوية، ينبغي أن نعمل، لغة العمل أبلغ من لغة القول لذلك أنا أدعو إلى دعوة صامتة، أدعو إلى دعوة أساسها أن تكون قدوة لغيرك، إن كنت أباً ينبغي أن تكون قدوة لغيرك، إن كنت معلماً ينبغي أن تكون قدوة لغيرك، و إن كنت صاحب متجر ينبغي أن تكون قدوة لغيرك.
الإنسان بعمله المتميز يكون أكبر داعية في الأرض :
نحن بحاجة إلى التعاضد وإلى أن يحب بعضنا بعضا
الشيء الثاني : لابد من عمل متميز، حدثتكم مرات عديدة عن رجل فقير جداً ورث أرضاً أراد أن يبيعها جاء من يشتريها منه، ولم يدرِ أنها تشترى لتكون مسجداً، وهذا الذي ورثها فقير فقراً مدقعاً عنده ثمانية أولاد، ودخله أربعة آلاف، والقصة وقعت قبل عشر سنوات في دمشق، فجاء محسن كبير ليشتري هذه الأرض و ليجعلها مسجداً، أعطاه دفعة أولى سأله أين الدفعة الثانية؟ قال: عند التنازل، قال: أي تنازل؟ قال: ينبغي أن تتنازل عنها في الأوقاف لتكون مسجداً، مزق الشيك، و قال: أنا أبيع أرضاً تكون مسجداً!! أنا أولى أن أقدمها منك إلى الله عز وجل، يقول هذا المحسن الكبير ما صغرت في حياتي كما صغرت أمام هذا الإنسان الفقير الذي قدم أرضاً لتكون مسجداً، ولا يملك غيرها.
أيها الأخوة، أنت بعملك المتميز تكون أكبر داعية في الأرض، لو لم تكن طليق اللسان، لو لم تكن فصيح البيان، لو لم تُحصّل علوماً شرعية طويلة، يكفي أن تعمل عملاً متميزاً حتى تكون من أكبر الدعاة إلى الله عز وجل.
أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى بطولات، نحن في أمس الحاجة إلى التعاون، نحن في أمس الحاجة إلى التعاضد، نحن في أمس الحاجة أن يحب بعضنا بعضاً، نحن في أمس الحاجة أن نتقن عملنا، نحن في أمس الحاجة أن نبتعد عن الترف، لأنك إن كنت تشكو ضيق دخل لك بيت تسكنه، ولبيتك سقف يغطيه، أما هذا الذي فقد بيته و هو في العراء، هو في أمس الحاجة إلى معونتك.
أبواب العمل الصالح لا تعد و لا تحصى :
أيها الأخوة الكرام، و الله الذي لا إله إلا هو في هذا الزمن الصعب أبواب العمل الصالح لا تعد و لا تحصى، و المؤمن الصادق لا يطلب عملاً مستحيلاً و يقعد، لا، يقوم بفعل آلاف الأعمال كلها متاحة لك، أليس متاحاً لك أن تربي ابنك لأن ابنك هو المستقبل؟ إن كنت غيوراً على مستقبل هذه الأمة فمستقبل هذه الأمة بيد أبنائك الصغار، ألا تستطيع أن تربيهم تربية صحيحة؟ أن تربي عقيدتهم؟ أن تربي خلقهم؟ أن تربي أجسامهم؟
مستقبل الأمة بيد أبنائك فأحسن تربيتهم
أن تربي نفسيتهم؟ أن تربي عقولهم؟ تربية الأولاد من أعظم الجهاد في سبيل الله، إتقان العمل، وخدمة المسلمين، أذكر لكم لو أنك استوردت حديداً سيئاً يوجد فيه شوائب فحمية، أو استوردت حديداً جيداً، يمكن أن تستخدم الحديد الجيد بنصف الكمية، أما الحديد الذي فيه شوائب فيضطر المهندس إلى أن يضع ضعف الكمية لينام مستريحاً، فإذا كنت أنت في مصنع الحديد، ولم تتقن عملك كلفت الأمة ضعف ما تستحق دون أن تشعر، و الله أيها الأخوة أرى أمامي أعمالاً لا تعد و لا تحصى تجعلنا أمة قوية، هذه القوة التي يتمتعون بها حصيلة مئات السنين، حصيلة انضباط، حصيلة إتقان عمل، حصيلة فريق عمل لا يوجد تنافس أبداً، عندهم إيجابيات يجب أن نقر بها، نحن عندنا تنافس ليس عندنا تعاون، لا يصلح أكثرنا أن يعمل كعضو في فريق عمل، تنافس، لابد من أن تحطم من حولك كي تبقى وحدك، هذا أكبر خطر يهدد مستقبلنا، لو أردت أن تجلس و تكتب ما هو الذي متاح لك أن تفعله، وتكون عند الله مجاهداً، والله متاح لك أن تفعل أشياء لا تعد ولا تحصى، بدءاً من أن تعتني بصحتك، هل تصدقون أن بلدنا الطيب يستهلك كل يوم دخان بأربعمئة مليون؟ ستة عشر ملياراً في العام بعضه مستورد و بعضه يوجد فيه سموم، فهذا الذي يدخن هو يهدم أمته، ويهدم وطنه، ويهدم دينه، الأموال التي تنفق بلا جدوى لا تعد و لا تحصى، لو وُفرت هذه الأموال لبناء وطننا، بناء أمتنا، أنا أتكلم أي ما تمنيت في يوم من الأيام أن أصمت كهذا اليوم، ماذا أقول؟ الواقع سيئ جداً، أمة العرب اجتمعت كلها، وقررت، وعرضت منهجاً رُفض، وأعمال العدو على قدم وساق، أي يبالغون في إجرامهم.
النصر لا يأتي لأمة لا تستحقه
أيها الأخوة الكرام، لابد من أن نعد، أنا أضع لكم مشروعاً واقعياً كل شخص أن يعد نفسه في حرفته، في موقعه، طالب؛ إتقان دراستك إعداد لعدوك، صانع؛ إتقان صنعتك إعداد لعدوك، تاجر؛ أن تنصح المسلمين و أن تبيعهم بضاعة جيدة بسعر معتدل هو جهاد لعدوك، نحن في أمس الحاجة إلى أن نبني أنفسنا، أما هذا الذي يجري حولنا واللهِ القلب يدمى له، و الله من لم يحمل همهم ليس منهم، و الله من لم يحمل همّ المسلمين ليس منهم، و الله من لم يبكِ لما يرى ليس من المسلمين، و لكن قد يكون الرد على ذلك أن تعد لهم ما استطعت من قوة، الآن القوة المنوعة أيها الأخوة قوة السلاح، وقوة الاقتصاد، وقوة الصناعة، وقوة التجارة، وقوة العلم، هناك أشواط طويلة، وأقول لكم مرة ثانية: لا تنتظروا أن يتنزل نصر الله عز وجل على أمة لا تستحقه، و لا نستحق نصر الله عز وجل إلا إذا كنا كما أراد الله، ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، كن لي كما أريد و لا تعلمني بما يصلحك.
أيها الأخوة الكرام، هذا كلام عام لكن أقوله من قلب مقروح، لابد من العمل، أنا أخاطب نخبة الأمة، رواد المساجد، هؤلاء لماذا أتوا إلى المسجد؟ لأنهم يعتقدون أن لهم خالقاً عظيماً، و أن هذه فريضة إسلامية، و هذه الخطبة جزء من العمل الدعوي، فينبغي أن نأخذ للأمر استعداده، ينبغي أن نعد أنفسنا، لا تقل الجهاد القتالي ليس متاحاً لنا، متاح لك ألف جهاد و جهاد، متاح لك جهاد لا ترى في اليوم التالي ثماره، لا ترى ثماره إلا بعد حين.
تصحيح أحوال الأمة يحتاج إلى وقت و لكنه ينطلق من تصحيح حالك الشخصي :
حينما تعتني بصحتك فأنت مجاهد
أيها الأخوة الكرام، نقطة دقيقة أحب أن أضعها بين أيديكم، تصحيح أحوال الأمة يحتاج إلى وقت و لكنه ينطلق من تصحيح حالك الشخصي، فلا أقل من أن تكفي الأمة نفسك، إذا كل شخص كفى الأمة نفسه، الآن إذا أهمل صحته حمل أمته ما لا تطيق، يحتاج إلى دواء و إلى أطباء وإلى تحاليل وإلى أشياء مستوردة، أما إذا طبق السنة في طعامه وشرابه، وطبق السنة في حركته وفي العناية بجسمه، فأنت حينما تعتني بصحتك أنت مجاهد في سبيل الله، لأنك كفيت الأمة نفسك هذه واحدة، حينما تعتني بأولادك كفيت الأمة أولادك، ما كانوا مشردين، ولا مجرمين، ولا جهلاء، ولا عابثين في الأرض، حينما تكفي الأمة نفسك فأنت مجاهد، و حينما تكفي الأمة أولادك فأنت مجاهد، وحينما تتقن عملك فأنت مجاهد، وحينما تكون زوجاً كاملاً فأنت مجاهد، وحينما ترعى أسرتك فأنت مجاهد، أبواب مفتحة على مصاريعها، وهذا لا يمنعك من أن تمد لهؤلاء المجاهدين بعون منك، لا يمنعك من أن تخلف غازياً في أهله بخير، لا يمنعك من أن تجهز غازياً، هذا فرض على كل مسلم.
على كل مسلم المساهمة في بناء النصر و إن لم يرَ النتائج بنفسه :
قد لا ترى نتائج مساهمتك لكن يكفي أن تزرع وسيحصد غيرك
أيها الأخوة الكرام، ليس من شروط النهضة أن تتم في مدى عمرك، أنت مؤمن بالآخرة، نبي الله عز وجل، سيد الخلق، وحبيب الحق أخبره الله عز وجل قال له :
﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾
[ سورة غافر : 77]
أنت حينما تسهم في بناء الأمة ليس ضرورياً أن ترى بنفسك نتائجها، أجدادنا فتحوا هذه البلاد، وضعوا اللبنات الأولى، سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام لم يرَ بعينيه فتوح بلاد فارس و الروم، ما رأى إلا نصراً محدوداً، لذلك أنت لا يعنيك أن ترى النصر النهائي بعينك، أنت ساهم في بناء هذا النصر.
أيها الأخوة، الوعد هو بنصر الحق، فإن لم تنتصر فراجع نفسك، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الله عز وجل وعد بنصر الحق، فإن لم تنتصر راجع نفسك، كن من أهل الحق، اجهد بأن تكون من أهل الحق حتى تستحق وعد الله بالنصر.
أيها الأخوة الكرام، العاقل يستخدم عقله قبل أن يستخدم يده، لو استخدم يده قبل عقله تعب كثيراً، أما إذا استخدم عقله ثم استخدم يده فربح كثيراً.
المفاضلة بين الناس تكون بأيهما أصلح للأمة :
أيها الأخوة، لا تسأل ماذا أفعل؟ إن سألت ماذا أفعل أي أنت خالي الذهن ليس عندك منهج، ولا طريق، ولا تصميم، ولا تخطيط، اسأل أفعل هذا أم هذا؟ لذلك الله عز وجل قال:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
[ سورة هود : 7]
المفروض أن تعمل، المفروض أن تعمل عملاً صالحاً، و لكن التفوق في أن يبلو الله البشر أيهم أحسن عملاً، و هذا ملمح دقيق في الآية، المفروض أن تعمل، و المفروض أن تعمل عملاً صالحاً، لكن المفاضلة بين الناس في أيهما كان أصلح للأمة؟
أيها الأخوة الكرام، إذا حملت نفسك فوق ما تحتمل كنت المسؤول عن الإخفاق، دائماً خطط إذا أردت إنفاذ أمر تدبر عاقبته، بشؤون حياتك كلها، أحد أسباب الإخفاق أنك حملت نفسك ما لا تحتمل، أو أن تخطيطك ضعيف.
أحد أسباب الإخفاق التخطيط الضعيف
أيها الأخوة الكرام، ليس لي ما أقوله لكم إلا أن نقلب لغة القول إلى لغة العمل، وضعت بين أيديكم طبعاً بعد معرفة الله ومعرفة منهجه مسارب كي تعبر عن ذاتك، وكي ترضي الله عز وجل، لأنك ترى كما قال عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه:" يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه و إن سكت استباحوه" هكذا عند أعدائنا إن تكلم أحدهم قتلوه، وإن سكت استباحوه، يريدون غطرسة وقوة ظالمة، والويل لمن يتحرك، هذا كله ترونه بأعينكم.
أيها الأخوة الكرام، يجب أن نكون في مستوى المسؤولية، و يجب أن نكون مسلمين حقيقة، ومؤمنين حقيقة، ولابد من أن نطلب العلم، أي مثلاً هل يمكن أن تتحرك حركة صحيحة دون أن تكون على علم دقيق؟ إذاً حينما تقتطع من وقتك وقتاً لمعرفة الله، لمعرفة منهج الله، لمعرفة حكم الله عز وجل في أية قضية هذا جزء من الجهاد في سبيل الله، هذا جزء من جهاد النفس والهوى، أن تقتطع وقتاً لطلب العلم، من هذا الذي يقتطع وقتاً لطلب العلم؟ أن تقتطع وقتاً لأن تعمل بما علمت، أن تقتطع وقتاً لأن تدعو إلى ما علمت، و الدعوة إلى الله فرض عين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً...))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]
انقل خطبة، أعر شريطاً، ائت بإنسان إلى مسجد تقنع أنت بخطيبه، تحرك، إن لم تتحرك لابد من أن الحكم عليك قاس جداً، الإيمان ما إن يستقر في النفس إلا أن يعبر عن ذاته بذاته بحركة نحو الخلق، لابد من أن تتحرك :
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[ سورة الأنفال : 72]
من صبر على ما أصابه فله عند الله أجر لا يحصى :
أيها الأخوة الكرام، حينما تصبر على ما أصابك بسبب عقيدتك، بسبب إيمانك، بسبب تمسكك بمبدئك، هذا الصبر له عند الله أجر لا يحصى :
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[ سورة الزمر : 10]
اطلب العلم واعمل به
لذلك هذه السورة التي قال عنها الإمام الشافعي : "لو أن الناس تدبروها لكفتهم" هي قوله تعالى :
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
أركان النجاة أن تطلب العلم، و أن تعمل بما علمت، و أن تدعو إلى ما علمت، و أن تصبر عن الشهوة وعلى الطاعة وعلى قضاء الله وقدره، إن حققت هذه الأشياء الأربعة حققت أركان النجاة من الخسارة المحققة.
أيها الأخوة، بنود كثيرة يمكن أن تضعها كل يوم، خطط عديدة يمكن أن تضعها كل يوم.
أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
قوة المسلمين تنبع من تمسكهم بدينهم و الدفاع عنه :
إذا تخلينا عن ديننا فقدنا هويتنا
أيها الأخوة الكرام، ديننا هويتنا، ديننا أصالتنا، ديننا جذورنا، فإذا تخلينا عن ديننا فقدنا هويتنا، و فقدنا أصالتنا، وفقدنا جذورنا، عندئذ يسهل على الطرف الآخر أن يقتلعنا، قوتنا في تمسكنا بهذا الدين، كما قال السيد الرئيس في خطابه في مؤتمر القمة : قوتنا في تمسكنا بهذا الدين، قوتنا في الدفاع عنه، قوتنا في الدعوة إليه.
و هذا الدين من عظمته أنه كلما أردت أن تطفئه تأجج، و كلما أردت أن تقمعه قوي، وهؤلاء الطرف الآخر لشدة غبائهم حينما يريدون قمع الدين يزيدون الناس تمسكاً به، وهذا الذي يحصل، فصائل كثيرة من المقاومة أعلنت إسلامها، وقادتها ذهبوا إلى الحج، و عادوا تائبين لأنهم رأوا أن الخلاص في الإسلام وحده، و أن الإسلام يهب الإنسان قوة تفوق حدّ الخيال، امرأة تدفع ابنها كي يقيم عملاً يهز أركان العدو ينبغي أن نتعاطف مع من تقتلع أشجارهم وتهدم بيوتهم
امرأة تدفع ابنها بنفسها، و تشكر الله أنه استشهد، و العالم الغربي الآن يدرس هذه الظاهرة، تدعو الله طوال الليل أن يوفق ابنها، أن تكون يد الله بيده، أن يوفقه، والذي نجح في عمليته كانت شاكرة لله عز وجل، إذا كان عندنا مثل هؤلاء النساء تفاءلوا بالخير أيها الأخوة، هذه الأنصارية التي فقدت زوجها و فقدت ابنها و فقدت أخاها و فقدت أباها، شيء لا يصدق، من أقرب الناس إلى المرأة؟ أخوها وأبوها وابنها وزوجها، وهي تقول : ما فعل رسول الله؟ إلى أن اطمأنت على سلامته قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل، بمثل هؤلاء النساء فتح المسلمون أطراف الدنيا، نحن أيها الأخوة نحتاج إلى أن نكون عند الله مستحقين للنصر، نحتاج أن يرى الله فينا حبنا له، و طاعتنا، و تعاوننا، و عملنا الطيب، كفانا قولاً، و الله كما قلت قبل قليل ما تمنيت في حياتي أن أصمت كهذا اليوم، لا يوجد شيء باليد، كل الأمة اجتمعت على أن تقدم حلاً، والحل رفض، وهناك مبالغة في القتل والتدمير وهدم البيوت، هل تعلم نعمة أن لك بيتاً تسكنه، إذا هدم البيت أين تسكن؟ ينبغي أن نتعاطف مع هؤلاء الذين تُهدم بيوتهم، تُقتلع أشجارهم، يُذبح آباؤهم، تُقتل نساؤهم، مع الغطرسة و الكبر، إلى الله نشكو و لا شكوى إلا إلى الله عز وجل، و لكن أيها الأخوة كما حدثنا النبي عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]
دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد، ادعوا لهم في سجودكم، في قيام ليلكم أن ينصرهم، أن يقويهم، أن يقويهم على أعدائهم، أن يجعل تدمير أعدائهم في تدبيرهم.
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام و أعز المسلمين، و أذلّ الشرك و المشركين، خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:11 am

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
لكل درجات مما عملوا
أيها الأخوة الكرام... في هذه الخطبة حديثٌ موجهٌ إلى طلاب العلم الشرعي، حديثٌ موجهٌ إلى المؤمنين الصادقين، من الأشياء المُسَلَّم بها أن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، يؤكِّد هذا قوله تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأنعام: 132]
وبعد أن تؤمن بالله الإيمان الذي يحملك على طاعته، وبعد أن تتعرف إلى منهج الله بحيث يغدو واقعاً تعيشه، لا شيء يعدل ولا شيء يعلو على أن تعمل عملاً صالحاً يكون لك ضياءً يوم القيامة، ومن أعظم الأعمال الصالحة أن تُسْهِم في ترسيخ الحق، من أعظم الأعمال الصالحة أن تُسهم في توسيع دوائر الحق كي تضيق دوائر الباطل، من أعظم الأعمال الصالحة أن تنصر دين الله، أي أن تقيمه، أن يغدو دين الله واقعاً، مطبَّقاً في حياتنا، في بيوتنا، في أعمالنا، في تربية أولادنا، في أوقات فراغنا، في ساعات استجمامنا.
لابد أن تسهم في ترسيخ الحق
أيها الأخوة الكرام... من أجل أن تكون من هؤلاء، من أجل أن تُحدث تأثيراً فيمَن حولك، من أجل أن تكون هادياً مهدياً، من أجل أن تُسهم في ترسيخ الحق، من أجل أن تسهم في توسيع دوائر الحق، لابد من أن تكون في دائرة التأثير، فإما أن تكون في دائرة التأثير، وإما أن تكون خارج هذه الدائرة ؛ فلا أحد يعبأ بكلامك، ولا أحد يلتفت إليك، ولا أحد يصغي إليك، ولا أحد يقتدي بك، من أجل إن تكلَّمت يُصغى إليك، وإن تصرَّفت يقتدى بك، وإن فعلت تكون معقد أنظار الناس، لابد من أن تكون في دائرة التأثير، واللهُ أعلم لن تكون في دائرة التأثير أولاً إلا إذا أطعت الله، وإلا إذا أخلصت في طاعته، عندئذٍ نحتاج إلى موضوع هذه الخطبة.
الحد الأدنى أن تكون مطيعاً لله، مخلصاً في طاعته، أما كيف نؤثِّر في الناس؟ كيف نوسِّع دوائر الحق؟ كيف نُسهم في ترسيخ الحق؟ كيف نسهم في إعلاء كلمة الله؟ فهو ما سأجيب عنه خلال هذه الخطبة.
تحديات يعيشها المسلمون :
العبادة الأولى في دائرة الفقر والحرمان أن تكون منتجا
أيها الأخوة المؤمنون... هناك تحدياتٌ يعيشها المسلمون، أضرب لكم بعض الأمثلة: مجتمعٌ إسلاميٌ فيه فقرٌ مدقع، بيئةٌ ضَنْك، ضآلةٌ في الكسب، ماذا ينبغي على المؤمن في هذه الحالة الصعبة؟ أن يتفوَّق في حرفته، وأن يحسن إنفاق ماله، وأن يسعى لخدمة غيره، فكأن العبادة الأولى في دائرةٍ تعيش آلام الفقر وآلام الحرمان أن تكون منتجاً، كي تكون يدك هي العليا، وكي تُسهم بمالك في مسح الدموع عن البائسين، فهذا من أعظم الأعمال، لأنه كما ورد عن الإمام عليٍ كرَّم الله وجهه: "كاد الفقر أن يكون كفراً" .
وهناك تحدٍ آخر؛ بيئةٌ تعج فيها الشهوات، تستيقظ فيها الفِتَن، نساؤها كاسياتٌ عاريات، كل شيءٍ حولك يدعوك إلى المعصية، كل نظرةٍ حولك تدعوك إلى مقارفة الشهوة، في مثل هذه البيئة التي تتحدى المسلمين لابد من تيارٍ روحيٍ قوي يواجه التيار الشهواني، فأنت حينما تنتصر على نفسك، وتحمل من حولك على أن ينتصر على نفسه، تكون قد قبلت هذا التحدي الآخر الذي يكيده لنا أعداء الإسلام؛ تارةً يوقعون مجتمعاً أو آخر بفقرٍ شديد، والإنسان حينما يفتقر مع ضعف إيمانه قد يأكل الحرام، أو قد يمالئ السلطان، أما حينما يفتقر، وله إيمانٌ قوي، لا تهزه لا سياط الجلاَّدين اللاذعة، ولا سبائك الذهب اللامعة، إنه متماسك.
لابد أن يتقن المسلمون حرفهم
فالتحدي الأول هو تحدي الفقر، لابد من أن يتقن المسلمون حرفهم، وأن يتفوقوا في دنياهم، حتى يحلوا مشكلات من حولهم، وقد ورد عن بعض أصحاب رسول الله أنه قال: " حبَّذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي ".
وإذا كان الدعاةُ إلى الله في نظر كل المسلمين في منزلةٍ عليةٍ، فهؤلاء الذين يكسبون المال الحلال، وينفقونه في حل مشكلات المسلمين، والله الذي لا إله إلا هو لا يقلّون مكانةً عند الله عن هؤلاء الدعاة، ليس هذا من عندي بل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
((لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
والعطف يقتضي المشاركة في اللغة.
وهناك أيها الأخوة تحدٍ آخر بيئةٍ تعج بالضلالات، وبالشبهات، وبالطعن بالدين، وبهز أصول الدين، وبإنكار السنة الشريفة، وبالتشكيك بمصداقية القرآن، في مثل هذه البيئة المؤمن الذي يقبل التحدي هو المؤمن الذي يقدِّم الحجة تلو الحجة، والبرهان تلو البرهان، ويزيل الشبهات، ويأتي بالدليل التفصيلي كي يعيد للناس تماسكهم ويقينهم بدينهم.
صفات المؤمن الذي يريد أن يكون في دائرة التأثير :
1 ـ مواجهة التحديات من فقر شديد و شهوات مستعرة و شبهات منكرة :
أيها الأخوة الكرام... إن أردت أن تكون في دائرة التأثير فلابد من أن تواجه هذه التحديَّات الثلاثة، بيئةٌ فيها فقرٌ شديد، أو بيئةٌ فيها شهواتٌ مستعرة، أو بيئةٌ فيها شبهاتٌ مُنْكَرة.
المؤمن إذا ركز طاقاته الفكرة والنفسية يحدث تأثيرا خطيرا
ولكن أيها الأخوة أضرب لكم مثلاً من حياتكم اليومية: أشعة الشمس تعرفونها، إنها لا تحرق أبداً إلا في حالةٍ واحدة، إن جئت بعدسةٍ فإذا دخلت أشعة الشمس هذه العدسة انكسرت وتجمَّعت نحو الداخل في نقطةٍ هي المِحْرَق، هذه النقطة تحرق أي شيءٍ تضعه فيها، ذلك أن الشمس حينما تجمَّعت أشعتها أعطت مفعولاً خطيراً، والمؤمن كذلك؛ إذا جمع وركز كل طاقاته الفكرية، والنفسية، والاجتماعية، والعلمية، في هدفٍ واحد لابد من أن يحدث تأثيراً خطيراً، من أين جئنا بهذه الفكرة؟ من قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام : 162]
هذا هو التجميع، ما الذي يضعف الفاسق؟ أنه مبعثر، مشتت، ما الذي يقوي المؤمن؟ أنه مجموع، الشهوات بعيدةٌ عنه، الحجاب عن الله عزَّ وجل لا يعرفه، لأن طاعته لله، وعمله الطيب يجعل الطريق إلى الله سالكاً، هو مجموعٌ بهدفٍ واحد.
فيا أيها الأخوة الكرام... المؤمن من خصائصه الكبرى أن كل مناشطه تصبُّ في خانةٍ واحدة، حتى كيف يقضي وقت فراغه؟ في عملٍ يقربه إلى الله، حتى كيف يقضي مناشطه الترفيهية؟ في عملٍ يعزز توجهه الإيماني، حينما يكون عملك، وبيتك، ولهوك البريء المسموح به، ولقاءاتك، وولائمك، ودعواتك، وسهراتك، وكل مناشطك في خطٍ واحد، أنت حينئذٍ تؤثِّر، وهناك نتيجةٌ قد لا تعرف قيمتها هي الانسجام، هي التناغم، هي التنسيق، المؤمن يتحرَّك إلى هدفٍ واحد بوسائل لا تعد ولا تحصى، هذه من بركة تجمّع الإنسان، وإيقاع الأثر الإيجابي من تجمُّعه، يقول عليه الصلاة والسلام: نزهة المؤمن يقوي بها علاقته بأسرته
((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه سراءٌ شكر فكان ذلك له خير، وإن أصابته ضراءٌ صبر فكان ذلك له خير، وليس ذلك لغير المؤمن ))
[ الدر المنثور عن صهيب ]
كيف يجتمع عند المؤمن حرصه على نجاته في الآخرة وحرصه على تأكيد ذاته في الدنيا؟ يجتمعان من أن كل نشاطاته تصب في خانةٍ واحدة، هذا التوحُّد عند المؤمن شيءٌ لا يعرفه إلا من فقده، حتى لو أخذ أهله نزهةً، إنها في سبيل الله، إنها من أجل أن يقوي علاقته بأسرته، من أجل أن يدخل الفرح على أولاده، حتى لو اشترى ثوباً وارتداه ضمن أنه يتقرَّب إلى الله عزَّ وجل.
أيها الأخوة الكرام... ومن صفات المؤمن الذي يريد أن يكون في دائرة التأثير، وأن يكون منطبقاً عليه دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم اهدني فيمن هديت))
[ الترمذي عن أبي الحوراء]
من أجل أن ينطبق :" اللهم ارزق بي طيباً واستعملني صالحاً " من أجل أن ينطبق عليه المقولة الشهيرة: " إن أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ".
2 ـ عدم المساومة على المبدأ :
أيها الأخوة الكرام... من أبرز صفات المؤمن الذي هو في دائرة التأثير، والذي يسهم بشكلٍ أو بآخر في ترسيخ قواعد الحق، وزلزلة قواعد الباطل، أنه لا يساوم على المبدأ إطلاقاً، فكل المُغريات، وكل الضغوط لا يمكن أن تفعل فيه شيئاً:
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[ السيرة النبوية ]
سَمِّه إن شئت الثبات على المبدأ، سمّه إن شئت عدم المساومة على المبدأ، سيدنا عمر ملكٌ جاء مسلماً، فلما تجاوز حده مع أحد الرعايا من سوقة الناس، ومن عامَّتهم، بدويٌ من فزارة، قال: أرضِ الفتى لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك. قال: كيف ذاك يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرشٌ وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟!! قال: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديدا، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا.
قال: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني. قال له: عنق المرتد بالسيف تحز، عالمٌ نبنيه كل صدعٍ فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى. لم يساوم على مبدأ ولو خسر ملكاً، فضَّل أن يخسر ملكاً ولا يخسر مبدأً، هذه صفات المؤمن.
أيها الأخوة الكرام... من السذاجة والغباء أن يتوهَّم متوهم أن بإمكانه أن يجمع مصالحه الدنيوية في أعلى مستوى، ويجمع إليها نجاته في الآخرة، هذا شيء مستحيل، لأنهما أحياناً متناقضان، يؤكِّد هذا النبي عليه الصلاة والسلام في رواياتٍ كثيرة:
((من أحب دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ))
[الدر المنثور عن أبي موسى الأشعري ]
أما هذا التوهم الساذج أنني أجمع خير الدنيا والآخرة، أجمع كل مصالحي في الدنيا من خلال بعض الفتاوى الضعيفة، من خلال الآراء الشاذَّة، من خلال توجيهاتٍ من أشخاصٍ لا أثق بورعهم، ثم أجمع ثواب الآخرة، فلابد من أن تؤْثر الآخرة على الدنيا لعله بعد حين تربحهما معاً.
أيها الأخوة الكرام... الانتصار للمبدأ على حساب المصلحة يعد تربُّعاً على قمةٍ من الشعور بالسعادة والرضا، والنصر والحكمة، والثقة بالنفس لا توصف، حينما تنتصر على مصالحك، وغرائزك، وشهواتك، وتنتصر لمبدئك، نجاحٌ له ديمومةٌ كبيرة، نجاحٌ مسعد، أما حينما تضيِّع مبدأً، أو تضحي بقيمةٍ من أجل مصلحةٍ آنيةٍ عابرة، ربما تخسرها وتخسر دينك، فجمع هذا في مقولةٍ أقولها كثيراً: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .
أيها الأخوة الكرام... هذا الذي ينتصر لمبدئه على حساب مصالحه القريبة والمتوهمة، يعد رابحاً أشدّ أنواع الربح، إن التمسك بالمبدأ في المنشط والمكره هو الذي يجعل لحياتنا معنىً يختلف عن حياة السوائم الذليلة التي تكافح من أجل البقاء المجرَّد، ملايين مملينة في العالم تكافح من أجل أن تبقى حيةً، أما المؤمن حينما يؤثر مبدأه على مصالحه فيحيا حياةً لا يعرفها إلا من ذاقها، قال بعض العارفين بالله: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف .
3 ـ المحافظة على الصورة الكلية للمؤمن :
المؤمن متوازن في كل الأمور
أيها الأخوة الكرام... صفةٌ ثالثة من صفات المؤمن وهي المحافظة على الصورة الكلية للمؤمن، العجيب أيها الأخوة أن في الإنسان قابليةً عجيبةً جداً إلى الانحياز نحو محورٍ معين، وتنميته على حساب المحاور الأخرى، أضرب لكم مثلاً من حياتنا: يمكن أن تكون رياضياً من الدرجة الأولى، ولكنك لم تقرأ كتاباً في حياتك، تفوَّقت في ناحية وغابت عنك نواحٍ كثيرة، يمكن أن تقرأ قراءةً نَهِمةً ولا تعبأ بصحتك إطلاقاً، أيضاً في هذا خلل، يمكن أن تنهمك في المسائل الفكرية حتى تكون علماً من أعلام الأمة، على حساب عباداتك، وحياة قلبك، وإقبالك على الله، ويمكن أن تعتني بقلبك عنايةً تفوق حدّ الخيال، أنت بين ذاكرٍ، وداعٍ، ومقيمٍ لليل، ولكن على حساب علمك، إذا تكلَّمت ضحك الناس من قولك.
فمن السهل جداً أن تأخذ خطاً واحداً وأن تنميه على حساب الخطوط الأخرى، من السهل جداً أن تكون ناجحاً جداً في بيتك، مخفقاً في عملك، أو أن تكون ناجحاً جداً في عملك ومخفقاً في بيتك، أن تكون ناجحاً جداً في تحصيلك مخفقاً في شأن صحتك، أن تعتني بالصحة إلى أعلى درجة وأن تخفق في طلب العلم، الانحياز، والتطرُّف، والغلو، قضيةٌ سهلةٌ على النفس البشرية، ولكن البطولة كل البطولة في أن تكون متوازناً، من أين جئنا بهذا المعنى؟
(( إن لربك عليك حقاً، و لنفسك عليك حقاً، و لأهلك عليك حقاً، فأعطِ لكل ذي حق حقه ))
[البخاري عن عون بن أبي جحيفة ]
(( إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل ))
[ كنز العمال وهو قول لأبي بكر عن مجاهد ]
سيدنا عمر دخل عليه رسول عامله على أذربيجان، وصل المدينة ليلاً فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين، فدخل إلى المسجد، سمع رجلاً يقول: رب هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟ قال: مَن أنت يرحمك الله؟ ـقال: أنا عمر، قال: يا سبحان الله ! أمير المؤمنين، ألا تنام الليل؟ قال: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي- التوازن- لابد من أن تتوازن بين العبادة والعمل، أن تكون لك صلةٌ بالله متينة، وأن يكون لك علمٌ قوي، وأن يكون لك جسمٌ قوي.
في الإنسان ثلاث جوانب مهمة جسده وعقله وروحه
مما قرأت في بعض الكتب أن في الإنسان جوانب ثلاثة، وترابطها عجيب؛ في الإنسان عمله، واتجاهه الروحي، وجسمه، وأي خللٍ في أحدها ينعكس على الجانبين الأخريين، أبداً، لو اختل شأن الصحة لانعكس على اتصالك بالله، وإقبالك عليه، وعلى عملك، لو اختل عملك لانعكس على المحورين الآخرين، عملك الذي ترتزق منه، واتجاهك إلى ربك، وجسمك، هذه مترابطة ترابطاً عجيباً في حياة الإنسان.
أيها الأخوة الكرام... لا يمكن أن تنتزع إعجاب الآخرين إلا إذا اجتمع فيك ما تفرق عند الناس، من أجل أن تكون في دائرة التأثير، من أجل أن تسهم بشكلٍ أو بآخر في ترسيخ قواعد الحق، من أجل أن تتسع على يديك دوائر الحق كي تضيق دوائر الباطل، لابد من أن تجمع في شخصيتك ما تفرق عند الناس؛ أن تجمع بين العلم، وبين العبادة، وبين القوة في الجسم، لأن هذه الجوانب الثلاثة متكاملة مترابطة.
4 ـ النظر إلى الذات من الخارج :
أيها الأخوة الكرام... بقي شيءٌ دقيق: يمكن أن تنظر إلى ذاتك من داخلك فتعجب بنفسك.
((ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر العجب العجب))
[الجامع الصغير عن أنس]
أما إن نظرت إلى ذاتك من الخارج صَغُرت من أجل أن تكبُر كِبَراً حقيقياً.
5 ـ التحرر من العادات و التقاليد التي ابتدعها المجتمع و لا علاقة للدين بها :
لابد من التحرر من أية عادات لاعلاقة لها بالدين
أيها الأخوة الكرام... ولابد من أن تتحرر بشكلٍ مستمر من كل عاداتٍ، وتقاليد، وأشياء ابتدعها المجتمع لا علاقة لها بالدين، أي هناك قيودٌ تشل حركة المجتمع، هناك قيودٌ تشل حركة الأفراد، من أين هذا؟
(( ...إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))
[البخاري عن ابن مسعود]
وفي روايةٍ:
(( فاصنع ما تشاء ))
أي إذا كان هذا يرضي الله عزَّ وجل لا تعبأ بكلام الناس، ومن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، ورضى الناس غايةٌ لا تدرك، ومن استطاع أن يرضي الناس كلهم فهو منافق، يجب أن تسعى لرضوان الله فقط:
(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))
[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
(( اعمل لوجهٍ واحد يكفك الوجوه كلها ))
[ابن عدي والديلمي عن أنس ]
(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))
[ ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
يا أيها الأخوة الكرام... إذا لم تستح بعملك، إذا كان عملك وفق منهج الله، إذا كان عملك يرضي الله، لا تعبأ بالقيل والقال، فالناس لا هم لهم إلا النقد، ولا يقدمون ولا يؤخرون..
﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
[ سورة الأنعام : 91]
6 ـ التفوق على الذات :
ومن أجل أن تكون في دائرة التأثير، دائرة أن تسهم في ترسيخ قواعد الحق، دائرة أن تكون موسِّعاً لدوائر الحق مضيقاً لدوائر الباطل، لابد من أن تفوق على ذاتك.
يا أيها الأخوة... إن بإمكان أكثر الناس عجزاً، وأقلهم حيلةً، أن يجد من هو أضعف منه ليتغلَّب عليه ويقهره، ويستعلي عليه، قضية بسيطة جداً، وقد يجد الإنسان كائناً من كان في شخصيته بعض نقاط التفوق فينمِّيها ويتبجح بها، فأن تكون في مرتبةٍ أعلى قضية سهلة جداً، حتى الذي يسرق، هناك من يسرق ويوجه السارقين، فهو بمثابة مرشدٍ لهم، استعلى عليهم بقدرته الفائقة على السرقة، فالتفوق المجرد لا قيمة له، لكن البطولة التفوق على الذَّات، والشعور بالتحسُّن الدائم، والارتقاء المُطَّرِد المؤمن حينما يكون يومه خيراً من أمسه، حينما يكون غده خيراً من يومه، حينما يرقى من مقامٍ إلى مقام، من منزلةٍ إلى منزلة، من مستوى إلى مستوى، من صلاةٍ إلى صلاة، من دعاءٍ إلى دعاء، هذا الذي يتفوق على ذاته من الداخل هو الذي يمكن أن يسمى تفوقاً وأيما تفوق.
يتفوق المؤمن على نفسه حين يرقى من مستوى إلى مستوى أعلى
أيها الأخوة الكرام... يؤكِّد هذا قول الله عزَّ وجل:
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة يوسف : 76]
لابد من التفوُّق حتى تثير حماس الناس إلى معرفة هذا الدين.
ذكرت لكم مرةً أن عالم رياضياتٍ ملحد في بلادٍ بعيدةٍ، رأى فتاةً من الشرق الأوسط محجبةً حجاباً كاملاً، تحضِّر دكتوراه في الرياضيات، قال: أخذت فكرةً أخرى عن فتيات الشرق الأوسط، ثم تهيَّبت أن أنظر إليها، ثم وجدت أن هذه المرأة تتمنع بقناعاتٍ تنفرد بها، كل الفتيات في أمريكا شبه عارياتٍ في الصيف، ما الذي في رأس هذه الفتاة حتى غدت بهذه الثياب الفضفاضة الساترة؟ كيف تحجَّبت؟ ومن حين رآها عكف على دراسة الإسلام، وألَّف كتاباً ضخماً، وقد ترجم إلى اللغة العربية، وهو الآن من أكبر دعاة الإسلام في أمريكا، تفوق من أجل أن تكون في دائرة التأثير، لابد من التفوق.
7 ـ التألق و التفوق :
أيها الأخوة الكرام... لابد من التألُّق مع التفوُّق، قيل: يمكن أن تقصر في واجباتك، ويمكن أن تؤدي واجباتك، ولكن من أجل أن تتألَّق لابد من أن تقوم بعملٍ زائدٍ عن الحاجة، مثلاً: فرقٌ كبير بين مَن يبدأ بإلقاء السلام وبين من يردُّ السلام، إلقاء السلام سنة، ولكن ردّ السلام واجب، فرقٌ كبير بين من يؤدِّي الفريضة، وبين من يؤدي النافلة، بين من يؤدي الزكاة، وبين من يضيف إلى أداء الزكاة أداء الصدقات، فرقٌ كبير بين من يصلي الفرائض الخمس وبين من يصلي قيام الليل، من أين هذا المعنى؟
((لا يزال عبدي يتقرب إلي ّبالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولأن سألني لأعطينه، ولأن استعاذني لأعيذنه))
[البخاري عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة الكرام... في المراحل الصعبة، في مراحل طوفان المعاصي، طوفان الشهوات، طوفان الشُبهات، في هذه المراحل الصعبة لابد من رجالٍ متألِّقين، متفوقين، متحررين من كل القيود والعادات والتقاليد، محافظين على الصورة الكلية للمسلم، لابد من رجالٍ انتصروا على ذواتهم، لابد من رجالٍ لا يساومون على مبادئهم، لابد من رجالٍ يجمعون كل طاقاتهم في بؤرةٍ واحدة.
أيها الأخوة الكرام... إن أردت أن تكسب شرف خدمة هذا الدين، إن أردت أن تكون عند الله من المقربين، إن أردت أن تعرف حكمة وجودك في الدنيا، وغاية وجودك في الدنيا، إن أردت أن تكون من دعاة الله المخلصين، إن أردت أن تكون في أعلى عليين عند رب العالمين، لابد من أن تحدث تأثيراً فيمَن حولك، هذا والله الذي يبقي، ومن أروع ما قرأت في تفسير قوله تعالى:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾
[ سورة الرحمن : 26-27]
هذا رأي طبعاً، قال بعض المفسرين: ويبقى العمل الذي ابتغي به وجه الله فقط، وما سوى ذلك:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾
[ سورة الفرقان : 23]
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))
[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]
أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأشياء العلمية للاستئناس و لزيادة المؤمن إيماناً بمنهج الله :
أيها الأخوة الكرام... في الخطبة السابقة تحدَّثت عن موضوعٍ علمي أخذ من موقعٍ معلوماتي، حول المضار الصحية لإطلاق البصر، وأن هذا الموضوع العلمي كان منطلقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس... ))
[الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة ]
ولكن لابد من تعليقٍ هدفه التصحيح. أي الأصل هو الأمر والنهي، وعلة أي أمرٍ أنه أمر، وعلة أية نهيٍ أنه نهي من الله عزَّ وجل، سواء أكان في القرآن الكريم، أم في سنة سيد المرسلين، والمؤمن الحق حينما يسمع قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
يعرف أن هذا كلام خالق الأكوان، مُبدع الإنسان، هو العليم الحكيم الرحيم، لكن حينما تجد حكمةً صارخةً لأمرٍ نبوي هذا مما يزيد إيمانك، لكن المؤمن حينما يعلِّق تطبيق الأمر على معرفة حكمته، إنه لا يعبد الله ولكنه يعبد نفسه، المؤمن الحق إذا ثبت له أن هذا الحديث عن رسول الله، يبادر إلى تطبيقه ولا يعلق أهميةً على معرفة حكمته، إن عرفها وبيَّنها قوَّى إيمان المؤمنين، وشدّ الناس إلى صراط رب العالمين.
ذكرت أشياء كثيرة في الخطبة السابقة، لكن قد يخطر في بال إنسان - أنا والله ما قصدت هذا المعنى- أن كل إنسان معه التهاب مفاصل معنى هذا يطلق البصر؟ لا والله، هذا المرض تقريباً بعد الستين يصيب تسعين بالمئة من الناس، أنا ذكرت شاهداً عن موظف في السيرك عمره ثلاثة وثلاثون، أصيب بهذا المرض في وقت مبكر جداً، أنا أعتمد على حسن فهمكم، وعلى حكمتكم، وعلى إدراككم للمقصود، أنا آتي ببعض الأشياء العلمية استئناساً، ليزداد المؤمن إيماناً، ليتقوى منهج الله عزَّ وجل، والله عزَّ وجل يقول:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران: 190-191]
إن هو إلا وحي يوحى
الأمر أمرٌ، والنهي نهيٌ، وعلة أي أمرٍ أنه أمرٌ من الله عزَّ وجل، وعلة أي أمرٍ من رسول الله أنه أمرٌ من الله عزَّ وجل جاءنا عن رسول الله..
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[سورة النجم: 3-4]
ولكن الله عزَّ وجل ذَكَّرنا ببعض آياته الكونية، فحينما تُعْرَض معلوماتٌ دقيقةٌ علميةٌ تؤكِّد أن الذي جاء به النبي ليس من عنده إطلاقاً، إنه من عند الله، والدليل أنه قد يكون في عصر النبي كل معطيات العلم بمجموعها، حتى مراكز الحضارات لا تكفي لفهم توجيه النبي، إنه من عند خالق الأكوان. فما كل مَن يشعر بألمٍ في مفاصله معنى ذلك أنه يطلق بصره والعياذ بالله، ومعظم الناس معهم هذا الألم، وهناك أمراض سببها العصر بأكمله، خطأٌ في غذائنا، خطأٌ في جَوِّنا، خطأٌ في نمط حياتنا، هذه كلها أنماط غربية.
الناس مثلاً يسهرون إلى ساعةٍ متأخرةٍ جداً من الليل، اختل نظامهم العام، فنحن نعاني من أن الغرب غزانا بثقافته وبأنماط حياته، وغزانا بطعامنا وشرابنا وأزيائنا حتى وثقافتنا، فحينما أذكر بعض الحقائق العلمية لا أقصد إلا الاستئناس بها، دون أن يستنبط كل منا ما يريد.
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا. أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين.
اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين.
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:14 am

مبدأ الأثنينية:
كل القيم لها شكل سلبي وشكل إيجابي
أيها الإخوة الكرام، من الثابت أن في الحياة الدنيا ما يسمى بالاثنينية، أي ؛ حق وباطل، خير وشر، صواب وخطأ، رحمة وقسمة، إنصاف وظلم، كل القيم لها شكل إيجابي وشكل سلبي، السبب أن البشر على اختلاف شكلهم ونحلهم نموذجان:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
( سورة الليل )
شاءت حكمة الله أن يكون الناس بحسب اختيارهم، وبحسب أن البشر حملوا الأمانة، وقد عرض الله عليهم الأمانة في عالم الأزل.
﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
الحق والباطل:
1 – الإنسان قبضة من تراب ونفخة من روح:
صنف البشر صنف متميز فيه قبضة من تراب الأرض، وفيه نفخة من روح الله، فيه عقل وفيه شهوة.
2 – اجتماع الصنفين المتناقضين في الأرض في زمن واحد:
وبينهما صراع أزلي أبدي، وبين البشر صراع أزلي أبدي، هكذا أراد الله، والمؤمن بالتعبير المعاصر يحترم قرار الله، ذلك أنه كان من الممكن أن يكون المؤمنون في كوكب، والكفار في كوكب، وليس هناك أيّ مشكلة، وكان من الممكن أن يكون الكفار في قارة، والمؤمنون في قارة، وكان من الممكن أن يكون المؤمنون في حقبة والكفار في حقبة، ولكن الله أراد أن نعيش معاً على أرض واحدة وفي زمن واحد.
3 – الصراع بين الحق والباطل من لوازم الاجتماع البشري:
إذاً من لوازم هذا الاجتماع الصراع، فمن آدم إلى يوم القيامة هناك صراع بين الحق والباطل، هناك معركة بين الحق والباطل، هذه حقيقة مسلّم بها، نحن أمام هذا الواقع ماذا ينبغي أن نعمل ؟.
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان الإسلام:
الحقيقة أن الإنسان مخلوق للجنة، والجنة تحتاج إلى عمل، ومن أعظم الأعمال أن تدعّم الحق، وأن تضعف الباطل، أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، لذلك يكاد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يكون الركن السادس في الإسلام، بل إن علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
لقد أصبحتم بهذه الرسالة خير أمة أخرجت للناس
﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
من نتائج إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1 – وجود خلل كبير في الإيمان:
أقول لكم وبلا تردد: الذي يلغي منحياته كلياً الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في إيمانه خلل كبير جداً.
2 – انتشار دوائر الباطل وتناميها:
أضرب مثلاً:
تأتيك ابنة أخيك زائرة، وهي ترتدي ثياباً فاضحة، أنت لا يعنيك هذا الوضع غير معقول، يعنيك أن تسلم في علاقتك مع أخيك، فترحب بها، وتثني عليها، وعلى جمالها، وعلى دراستها، ولا يعنيك أبداً أن تلفت نظرها إلى ثيابها، هذا الوضع السائد في المجتمع، هذا الوضع يجعل دوائر الباطل تتنامى، ودوائر الحق تضيق ز
لا بد لهذا الحق من أن يستمر، ولا بد من أجل استمراره من أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، والذي لا يفكر أبداً في إزجاء نصيحة، أو لفت نظر، أو تعليق هو إنسان في إيمانه خلل كبير.
3 – سبب لهلاك الأمم:
أساساً أحد أسباب هلاك الأمم:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 79 )
أحد أسباب هلاك الأمم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ، وايْمُ الله، لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[ متفق عليه ]
لذلك قد يغفل المسلمون عن فريضة سادسة، أو عن ركن سادس من أركان الإيمان، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسلمون حينما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لدرجة أسوأ، حينما أمروا بالمنكر، ونهوا عن المعروف، أو بدرجة أسوأ وأسوأ حينما أصبح المعروف عندهم منكراً، والمنكر معروفاً فقد تودع منهم.
من علامات قيام الساعة: تكذيب الصادق الكاذب:
أيها الإخوة، من علامات قيام الساعة: أن الصادق يُكذب، والكاذب يُصدق لماذا ؟ من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الناس يتملقون القوي والغني، فكل أخطاء القوي تبرر، وكل أخطاء الغني تبرر.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :
(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر، قالوا: أوكائن ذلك ـ كاد الصحابة يصعقون ـ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيت عن المعروف، قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ))
[ علل ابن أبي حاتم ]
شعار جاهلي قديم لمسلمي العصر الحديث:
واقعد أصبح شعار المسلمين
وأنا أضع بين أيديكم بيت شعر، دخل قائله السجن في عهد عمر، وعد من أهجى الشعر في الأدب العربي، ماذا قال الشاعر ؟ قال لرجل:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***
هذا البيت الذي دخل صاحبه السجن شعار كل مسلم، دعك من هذا انجُ بنفسك لا تدخل فيما لا يعنيك، فلما قوي الباطل، والقوي الغير مؤمن فعل كل المنكرات، والناس يتنافسون في الثناء عليه، والغني غير مؤمن فعل كل المعاصي والآثام، والناس يتنافسون في الثناء عليه.
في هذه البلدة إنسان عنده مسبح مختلط، يسبح الرجال مع النساء، والنساء بثياب السباحة الفاضحة، أقام مولدا في المسبح، ودعا الناس، وكثير منهم الذين أثنوا عليه.
يمكن أن يعقد عقد قران، ويؤتى بالمغنيات، يقول رجل في هذه البلدة: بذكاء وبحنكة استطاع أن يقنع مطربة أجرتها مئة ألف دولار في السفرة، 60 ألف دبرها لعرس ابنه، مطربة تغني بعرس، وتأخذ ستين ألف دولار، ومئات الشباب يتمنون غرفة يتزوجون فيها ! هذا شيء واقع.
لذلك:
(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ))
ما لم نأمر بالمعروف، وما لم ننهَ عن المنكر فقد تودع منا
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 79 )
4 – سبب تأخر المسلمين:
لذلك: الأمة الإسلامية حينما تركت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أصبحت كما ترون، بل أصبحت أمةً كأية أمة خلقها الله عز وجل، ليس لها أدنى ميزة والدليل:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
أنتم من هذه الأمم الشاردة عن الله عز وجل.
ايات قراّنية تحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إخواننا الكرام، قد تفاجئون ببضع عشرات الآيات التي تحض على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
﴿ وَلْتَكُنْ ﴾
الآية الأولى:
فعل أمر، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
الآية الثانية:
أيها الإخوة.
﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾
( سورة آل عمران )
ثمة قصة أرويها كثيراً: سائق سيارة على خط دمشق بيروت، في أيام ليس هناك إقبال على السفر، ينتظر الركاب، جاءه شاب وشابة ليركبا معه إلى الشام، لكنهما طلبا منه أن ينتظر قليلاً، لأنهم ينتظرون محفظة يأتي بها إنسان خلال ربع ساعة، فانتظر، تأخر الذي يأتي بالمحفظة قليلاً، فلما وصل، وعلى رأسه المحفظة، هذا الشاب ما كان منه إلا أن وكز هذا الإنسان الشيخ صاحب السبعين سنة، وعنفه على تأخره، السائق ما انتبه، أخذ المحفظة، وانطلق بالسيارة، وصلوا إلى رأس الجبل سمع السائق المرأة تقول للشاب : معقول أن تضرب أباك ؟ هذا السائق غير متعلم، وقف، وقال له: تفضل، وانزل، هذه الأجرة، الآن نصاب بحادث، تضرب أباك ؟ هذا السائق على جهله، وعلى ضعف ثقافته لما فعل هذا الموقف ما طمع بالأجرة، أعطاه الأجرة، وقال له: انزل.
لو أن الإنسان أخذ موقفا فقط، أنا لا أقول: أن تكون عنيفاً، فقط أخذ موقفا الوضع يختلف.
لما زارت البنت عمها فأعرض عنها، وظهر انزعاجه الشديد من ثيابها صار هناك مشكلة.
أما الآن فالإنسان يفعل ما يشاء، ولا مشكلة أبداً، يفعل ما يشاء، يخترق كل الحدود، يتجاوز كل التعليمات، يفعل كل المعاصي، وع ذلك هو محترم، معزز، مكرم، مبجل، مثل هذه الأمة لا تستحق أن تنال نصر الله عز وجل:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
إخواننا الكرام، بالضبط حينما نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر تضيق دوائر الباطل، وتتسع دوائر الحق، وحينما نسكت تتسع دوائر الباطل وتضيق دوائر الحق.
الآية الثالثة:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة ﴾
( سورة التوبة الآية: 71 )
الآية الرابعة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾
في نهاية الآيات:
﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة التوبة )
الآية الخامسة:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
الآية السادسة:
صار الدين فلكلورا
﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
( سورة المائدة )
أقيم عرس من نوع الخمس نجوم، جيء بالراقصات، والعرس مختلط ، والنساء شبه عرايا، ووزع الخمر، ونقل هذا الاحتفال في عدة صحف، صوّر هؤلاء المحتفون ونساءهم كاسيات عاريات في صفحات كبيرة، هذا عرس النساء، لكن قبل أيام كان هناك عقد قران، وقد أثني على الأسرتين المتصاهرتين العريقتين، والحديث عنهما كان غير معقول إطلاقاً، هذا الذي ينطق بالمديح من دون دليل، من دون دراسة، من دون تريث يضع مكانته في الوحل دون أن يشعر، وعلى البطاقة: الطيبون للطيبات، والخمر تدار، والراقصات والاختلاط، وعلى البطاقة الطيبون للطيبات.
صار الدين فلكلورا.
مرة صعقت عندما قرأت خبراً أن القرآن الكريم قرأ في باريس على أنه فلكلور شرقي، مثل هذه الأمة لا تستحق أن تنال نصر الله عز وجل.
الآية السابعة:
﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة المائدة )
ما الذي يحصل أحياناً ؟ الذي يعمل في الحق الديني، يريد سلامته فقط، فلا يتدخل أبداً في شؤون من حوله، لذلك الذي يقع أن الشرع هنا، وأن الناس هنا، مهمة الداعية أن يرفع الناس إلى مستوى الشرع، هذه مهمة شاقة، لكن في طريقة أيسر الشرع هنا والناس هنا، عن طريق الفتاوى يتجه الشرع إلى الناس.
لذلك أنا أقول دائماً: أي إنسان يسأل عن فتوى أطمئنه، لا تقلق هناك فتوى لكل معصية، تريد الفتوى أم التقوى ؟ الفتوى موجود فتوى لكل معصية، حتى أكبر معصية على الإطلاق وهي الاستثمار الربوي، الذي توعد الله مرتكبه بالحرب.
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 279 )
بين الفتوى والتقوى:
أكبر معصية على الإطلاق هناك فتوى من أعلى مرجعية إسلامية من بلد إسلامي بأن إيداع المال بالبنك، وقبض الفوائد باسم عوائد ما فيها شيء، وعلى إثر هذه الفتوى أودع بالبنوك في اليوم التالي 83 مليارا، فإذا أكبر معصية على الإطلاق مغطاة بالفتوى.
فأنا أقول: أي إنسان يبحث عن فتوى أطمئنه، هناك فتوى لأكبر معصية ، البطولة أن يكون معك التقوى، وسوف أذكركم بأنك أنك لو استطعت أن تنتزع من فم سيد الخلق، وحبيب الحق فتوى لصالحك، من فم من ؟ سيد الخلق، وحبيب الحق فتوى من فمه الشريف لصالحك، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، والدليل:
(( لَعَلّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئا فَلاَ يَأَخُذْهُ فَإنّمَا أَقْطَعُهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النّارِ ))
[ متفق عليه ]
الآية الثامنة:
﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾
( سورة هود )
الآية التاسعة:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الحج )
هذا بعض ما في القرآن من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
احاديث نبوية تحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الحديث الأول:
أما النبي العدنان فيقول عليه الصلاة والسلام :
(( إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
الحديث الثاني:
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله، ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ))
[ الجامع الصغير عن رجل من خثعم ]
الحديث الثالث:
(( إن الدال على الخير كفاعله ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس ]
الحديث الرابع:
(( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ))
[ أخرجه أبو داود عن العرس بن عميرة ]
أنت في الشام سمعت بقصة في كندا، أن إنسانا احتال، وجمع ثروة جيدة، أنت قلت: والله هذا ذكي، هل تصدق أنك بهذا التعليق كأنك عند الله شهدت هذا المنكر، ولم تنكره.
(( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ))
الحديث الخامس:
(( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب في جبهته: آيس من رحمة الله ))
[ رواه ابن أبي عاصم في الديات عن أبي هريرة ]
الحديث السادس:
(( من أعان ظالما سلطه الله عليه ))
[ أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود ]
الحديث السابع:
((ِ إنَّ النَّاسَ إذَا رأوا الظَّالِمَ فَلَمْ يأخُذُوا على يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِنْهُ"))
[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ]
الحديث الثامن:
((ِ ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله ثم لم يغيروه إلا عمهم الله تعالى منه بعقاب ))
[ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة وابن حبان، عن جرير ]
الحديث الثامن:
((ِ مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِه، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلكَ أضْعَفُ الإِيمَان ))
[ رواه مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ]
الحديث العاشر:
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجَابَ لَكُ ))
[ رواه الترمذي عن حذيفة ]
الآن في الحروب التي عانى منها المسلمون لم يخلُ جامع ومسجد في الخمس قارات ما ابتهل إلى الله بالدعاء ! الله ما استجاب، مهما دعوت، إن لم تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر فلن يستجاب لك .
لا للعنف، نعم للرفق والكلمة الطيبة:
أيها الإخوة الكرام، أنا لا أدعوكم إلى العنف أبداً، لكن كلمة ليكن لك موقف الحد الأدنى لا ترحب ترحيباً غير معقول بمن يفعل المنكرات.
أحيانا يزور البيت إنسان منحرف، المعاصي كلها في بيته، ويلقى الترحيب، أهلاً وسهلاً، ابنك يعلم ماذا يفعل هذا الزائر، تقول له هذا الكلام ؟ أنت أوقعت الابن في إشكال كبير، لذلك لا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمة، إلا أنك إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فنتج عن هذه فتنة أشد من المنكر الذي أنكرته فالأولى أن تنكره بقلبك.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:16 am

الإيمان وحده من دون استقامةٍ أو التزامٍ لا يجدي ولا ينفع :
الأنبياء والمرسلون قمم البشر
أيها الأخوة المؤمنون... الأنبياء والمرسلون قمم البشر؛ اصطفاهم الله عزَّ وجل، وطهَّرهم، وزكَّاهم، وجعلهم دعاةً إلى الله بأقوالهم وأفعالهم، جاؤوا بالكلمة الطيبة التي غيِّرت وجه الحياة، غيرت معالم الأرض، جاؤوا بالكلمة الصادقة، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
أيها الأخوة... لكن حينما فشا الكذب، وفشا التزوير، وفشا الفساد في الأرض، والإنسان في الأصل منطقي، فكل إنسانٍ انحرف غطَّى انحرافه بكلام، أو أنه تكلَّم كلاماً لا يؤكِّده الواقع، فالذي حصل مع مرور الأيام أن الناس زهدوا بالكلمة - أيَّة كلمة- والدعاة إلى الله سلاحهم الأول الكلمة، فلابد من أجل أن ينتشر الحق من أن تدعَّم هذه الكلمة بواقعٍ متألِّق، لأن الله عزَّ وجل حينما قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
الاستقامة سلوك عملي
قالوا: ربنا الله؛ هذا معتقدهم، هذا المنطلق النظري، هذه العقيدة، هذا التصوُّر، ثم استقاموا هذا السلوك العملي، ولا يمكن أن يفرق في الدين بين ما تعتقد وبين ما تعمل، لابد من حركة، لابد من التزام، لابد من أن تعطي لله وأن تمنع لله، لابد من كلمة لا بملء الفم إذا انتهكت حرمات الله عزَّ وجل، لابد من موقف، لابد من سلوك، في أكثر من مئتين وخمسين آية ورد قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البينة: 7 ]
وكأن الإيمان وحده من دون استقامةٍ، أو التزامٍ، أو عملٍ صالحٍ لا يجدي، ولا ينفع، ولا يرقى بصاحبه إلى النجاة.
مهمات الأنبياء :
مهمة الرسل الأخطر هي أنهم قدوة
أيها الأخوة... لكن الحقيقة الثانية هي أن الأنبياء الكرام صلوات الله عليهم وسلامه كانت لهم مهمتان كبيرتان؛ المهمة الأولى: تبليغية، لكن المهمة الأخطر هي: مهمة القدوة، هم بلَّغوا الناس بألسنتهم، وبلغوهم بأحوالهم، تبليغهم بأحوالهم أبلغ من تبليغهم بألسنتهم، إذاً هم دعوا إلى الله بأحوالهم، باستقامتهم، بصدقهم، بأمانتهم، بعفافهم، بإنجازهم للوعد، برحمتهم، بعفوهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش، ونسفك الدماء، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ".
الدعوة الصامتة :
لغة العمل أبلغ من لغة القول
أيها الأخوة... بعد هذه المقدمة موضوع الخطبة اليوم : الدعوة الصامتة، يمكن أن تكون أكبر داعيةٍ إلى الله، ويمكن أن تفعل فعلاً ما فعله أحد وأنت صامت، وأنت مطبقٌ شفتيك، لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول، ولأن الناس يتعلَّمون بعيونهم ولا يتعلَّمون بآذانهم، لأن الناس محتاجون إلى أن يروا مسلماً متحرِّكاً يعيش معهم، يتأثَّر كما يتأثَّرون، لكنه انتصر على نفسه كما لم ينتصروا، يريدون أناساً يقطفون ثمار هذا الدين ولا يتحدثون عنه، الناس يريدون مجتمعاً إسلامياً فيه الصدق، والأمانة، والعفاف، والرحمة، واللطف، لن تتوسع دوائر الحق إلا بالتطبيق العملي، وشتَّان بين أن تقول: مئة ألف، أو مليون، أو ألف مليون، بين أن تلفظها وبين أن تملكها، شتان بين أن تملك خارطة قصرٍ منيف، وبين أن تسكن هذا القصر، بين أن تملك صورة سيارةٍ فارهة، وبين أن تركب هذه السيارة، فرقٌ كبير وبونٌ شاسع بين القول والعمل.
خصائص الدعوة الصامتة :
1 ـ الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالأقوال :
أيها الأخوة الكرام... هذه الدعوة إلى الله، الدعوة الصامتة ما خصائصها ؟ وما مزاياها ؟ بادئ ذي بدء حال واحدٍ في ألف ؛ إنسان مطبق، مخلص، موصول، حال واحدٍ في ألف أبلغ من قول ألفٍ في واحد، أول مزايا الدعوة الصامتة: أن الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالأقوال، فكلٌ منَّا يستطيع أن ينمِّق الكلام، وأن يُدَبِّج المقال، وأن يحسن الحديث، وأن يتفوَّه بما لا يعتقد، وأن يفعل ما لا يقول، وهذه مشكلة المشكلات، وهذه معضلة المعضلات أن نقول ما لا نعتقد، وأن نفعل ما لا نقول، أيُّ إنسانٍ أوتي ذكاءً أو ثقافةً بإمكانه أن يتكلم كلاماً مقنعاً، ولكن الذي يهز ضمائرنا، ويثير حماسنا، ويشدُّنا إلى الدين أن نرى رجلاً يفعل ما يقول، ويقول ما يعتقد، نريد أن نرى مسلماً متحرِّكاً، كما أن بعض العلماء قال: القرآن كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي. يمشي بين الناس.
أيها الأخوة الكرام... النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، أمر أصحابه أن يتحللوا وأن يحلقوا، لكن ما الذي حصل ؟ حينما خرج وتحلل وحلق ونحر تابعه أصحابه، هذه نقطة دقيقة جداً، حينما كان مع أصحابه في سفر، وأرادوا أن يعالجوا شاةً ليأكلوها، قال أحدهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: عليَّ جمع الحطب، قالوا: نكفيك هذا يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا الموقف أبلغ ألف مرة من مئة ألف محاضرةٍ في التواضع، موقف؛ علَّمهم بأحواله، قام وجمع الحطب، حينما كانوا في معركة بدر، وكانت الرواحل قليلة، فقال عليه الصلاة والسلام:
((كل ثلاثةٍ على راحلة وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة ))
[ أحمد عن ابن مسعود ]
ركب النبي الناقة في نوبته، فلما انتهت نوبته وجاء دوره في المشي، فتوسل إليه صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام:
((ما أنتما بأقوى مني على السير ـ كان قوياً صلى الله عليه وسلم ـ ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))
[ أحمد عن ابن مسعود ]
هذا تعليمٌ بالأحوال لا بالأقوال، والله الذي لا إله إلا هو، لو أن كل مسلمٍ ولو لم يكن داعيةً، ولو لم يكن محصلاً للعلم الشرعي الذي ينبغي أن يحصله الدعاة، ولو لم يكن طليق اللسان، يكفي أن يكون أميناً وصادقاً ووديعاً ورحيماً وليِّناً ليفعل فيمن حوله فعل السحر. نحن بحاجةٍ إلى إنسانٍ يفعل أكثر مما نحن محتاجون إلى إنسانٍ يقول.
أيها الأخوة الكرام... هذه الدعوة الصامتة أول مزاياها: أن الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالأقوال.
2 ـ من يدعو الناس بأحواله كل من حوله يفهم عليه من دون تردد :
هناك خاصةٌ ثانية: المتكلم إما أن يرفع مستوى كلامه، فيأتي بالأدلة الدقيقة والعميقة، إما أن يرفع مستوى لغته، وإما أن يحلِّق في عالم الأدب، وإما أن يأتي بأحدث ما في العلم، مَن يتابعه ؟ قلةٌ قليلة، وإما أن يضعِّف المستوى، ويتكلم بالعامية ليفهم الكثرة الكثيرة، لكن الخواص ينفرون منه، فالدعوة بالأحوال يستوي جميع الناس في فهمها، مثقَّفُهم وغير مثقفِهم، العمل واضحٌ كالشمس، فأنت إن رفعت المستوى خسرت الطبقة الواسعة، وإن خفَّضت المستوى خسرت الطبقة الخاصة، أما إذا كنت أميناً، أما إذا كنت مستقيماً، أما إذا كنت صادقاً، أما إذا كنت رحيماً، أما إذا كنت أباً كاملاً، أو زوجاً كاملاً، فإن كل من حولك يفهم عليك، لأن الحركة لا تحتاج إلى ثقافة، لكنها تحتاج إلى رؤية، هذه ميزةٌ ثانية أن الذي يدعو الناس بأحواله كل من حوله يفهم عليه من دون تردد.
3 ـ الحدث المشاهد أثبت بكثير من الكلمة المسموعة :
الصورة تبقى في الذهن فترة أطول
خصيصةٌ ثالثة للدعوة الصامتة، قال العلماء- علماء النفس-: إن الحدث المشاهد أثبت بكثير من الكلمة المسموعة. مرةً كنا في الجامعة وكان هناك مادةٌ اسمها: الصحة النفسية فيها ثلاثمئة مرض نفسي، عرض علينا أستاذنا مشهداً متحركاً لمرضٍ اسمه الصراع، هذا المشهد الذي رأيناه متحركاً بكل دقائقه لازال في ذاكرتي دائماً، السبب أن المشاهد المتحركة أثبت في النفس من الكلمات المنطوقة، أنت حينما تشاهد حادثاً مروِّعاً، تبقى صورته في ذهنك إلى أمدٍ طويل، أما إذا قرأت مقالةً عن حوادث السير، سرعان ما تنساها، لذلك الحياة شيء، والكلمة المكتوبة شيءٌ آخر، فأنت حينما تعلِّم الناس بأحوالك. النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأةً تقبِّل ابنها وقد ألقمته ثديها، فالنبي عليه الصلاة والسلام - وهذا المشهد أمام أصحابه جميعاً - قال:
(( هذه المرأة أتلقي بولدها إلى النار ؟))
قالوا: معاذ الله !! أم، قال :
((لله أرحم بعبده من هذه بولدها ))
[ البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
هذا المشهد لا ينسى، فأنت إن علَّمت الناس بأحوالك، بمواقفك، بتواضعك، بكرمك، برحمتك، بعفوك، أنت مشهد متحرك لا ينسى هذا أبداً، أما إذا كنت فصيحاً وألقيت كلاماً بليغاً، وتفننت في عرض الفكرة، وجئت بأدلَّتها، هذا كلامٌ طيب له تأثيرٌ آني، ولكن بعد حين يبقى انطباعٌ ضبابي، والله جلسة رائعة، كلمة رائعة، فما مضمونها ؟ والله لا أذكر، أما حينما تشاهد وأنت في حالةٍ إنسانية، وأنت تعمل عملاً طيِّباً، هذا الموقف المتحرك، هذا الذي اشتركت في نقله عدة حواس هذا لا ينسى، قالوا: في التعليم كلما كثرت الحواس التي تستقبل الشيء كان أثره أبلغ، يكفي أن تكون مسلماً، يكفي أن تكون صادقاً.
حدثني أخ دخل إلى بقالية، قال له: أعندك بيضٌ طازج ؟ قال له: والله الذي عندي جئت به قبل عدة أيام، أما جاري فجاءته وجبةٌ الآن، خذ من جاري. هذا أبلغ من ألف خطبة، رأى الصدق. أعندك بيضٌ طازج ؟ قال له: لا، جاري عنده. مثل هذا البقَّال إن تكلم كلمةً في الدين تسمع لأنه عند كلمته.. أرجو المعذرة أنا لا أقلل من أهمية المتكلمين، قد يكونون أعلام الأمة، أما هؤلاء المتكلمون الذين هم أعلام الأمة فما كانوا أعلام الأمة إلا لأن واقعهم أكّد كلامهم.
الدعوة إلى الله لها أثرٌ كبير إما بكلامٍ صادقٍ أو بعملٍ صامت :
أيها الأخوة الكرام... الكلمة الصادقة، أو المصداقية في الكلام، حينما تكون متكلماً فصيحاً ذا بيانٍ، ويتَّبع الناس أحوالك، فيرون حالك كما تقول، عندئذٍ يصدقونك، مرةً سألت أحد الدعاة في بلدٍ عربي: ما نصيحتك إلى الدعاة إلى الله ؟ كنت أظنه أنه سيتكلم كلاماً طويلاً، فإذا بها كلمةٌ واحدة، قال: ليحرص الداعي ألا يراه المدعوون على خلاف ما يقول، فقط ولا أزيد على هذه النصيحة. لأنك إن لم تفعل ما تقول هناك سؤالٌ كبير: هو لا يطبق كيف يعلمنا ؟ فإن كان مقصراً ليس أهلاً أن يقول، وإن كان هذا الذي يقوله ليس واقعياً لا علاقة لنا به.
أيها الأخوة... الدعوة إلى الله لها أثرٌ كبير إما بكلامٍ صادقٍ يؤكده الواقع، أو بعملٍ صامت يراه كل من حولك.
هناك شيء دقيق جداً هو أن الناس ألفوا إما بوسوسة من الشيطان أو بخبثٍ منهم، أنهم كلما دعوا إلى الحق قالوا: هذا كلام مثالي يا أخي، نحن عندنا واقع. كل إنسان أراد أن يتفلَّت من منهج الله يدعي أن هذه مثالية، هذا كلام، لكن حينما تدعو إلى الله بعملك، تقدم المثالية مع البرهان عليها أنها واقعية، ما الذي يجعل المثال واقعاً ؟ إذا طُبِّق، وأنا أرى أن الأبلغ من ذلك أن يكون إنسانٌ يعاني ما يعانيه الناس، ويؤلمه ما يؤلمهم، ويغريه ما يغريهم، يؤدِّي الأمانة إلى أهلها، أقسم لي بالله رجل أنه أعاد إلى ورثةٍ عشرين مليون دون أن يعلموا عنها، ودون إيصال، ودون وثيقة، ودون إدانة، بل ودون علم، قدمها لوجه الله لأنها من حقهم.
أيها الأخوة... مثل هذه المواقف؛ موقفٌ فيه أمانةٌ تدهش، فيه مؤاثرةٌ تدهش، فيه تواضعٌ مدهش، هذا الذي يجذب الناس إلى الدين، أنا أرى أن فصاحة الفصحاء لا تكفي كي تشد الناس إلى الدين، ولكن عمل العاملين، وصدق الصادقين، وتواضع المتواضعين، ورحمة الرحماء، هي التي تشد الناس إلى الدين، إذاً حينما تدعو وأنت صامت تقدم الحقيقة مع البرهان عليها، تجعل ما يدَّعيه الناس مثالاً تجعله واقعاً، وكلما كان المثل معاصراً- إنسان يعاني ضغوطاً، لكنه كان وَقَّافاً عند كتاب الله، أعطى كل ذي حقٍ حقه- كان أبلغ.
الدعوة الخالدة هي الدعوة المبنية على موقف و كمال :
أيها الأخوة الكرام... أعداء الدين لهم شأنٌ واحد من آدم إلى يوم القيامة؛ أن يشككوا، أن ينتقدوا، أن يضعِّفوا، أن يفرغوا، هذه مهمتهم، ما دامت الدعوة بيانية فقط، ما دامت كلاماً فقط، فهناك ألف مجالٍ ومجالٍ للطرف الآخر أن ينقد هذه الدعوة؛ يشكك في النوايا، يشكك في الأهداف، يسبغ عليها طابعاً مصلحياً وهي بريئةٌ منه، ما دامت الدعوة بيانيةً فقط، لأعداء الدين ألف سبيلٍ وسبيلٍ عليها، ما دامت الدعوة بيانيةً فقط، وتأليفيةً فقط، وكُتُباً فقط، لأعداء الدين ألف سبيلٍ وسبيلٍ عليها، أما حينما تغدو الدعوة سلوكاً، وممارسةً، وحركةً، وواقعاً، هذا يخرس أعداء الدين.
فمثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام حينما عامل أهل مكة برحمةٍ ما بعدها رحمة، ناصبته العداء عشرين عاماً، وقد انتصر عليها انتصاراً حاسماً مؤزَّراً عزيزاً، وبإمكانه أن ينتقم أشدّ أنواع الانتقام، بإمكانه أن يلغي وجودهم بإشارةٍ لا بعبارة. قال:
(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ من فيض القدير في شرح الجامع الصغير ]
حتى قال أبو سفيان: ما أعدلك! وما أرحمك! وما أكرمك! وما أوصلك! هذه الدعوة الخالدة لأنها بنيت على موقف، بنيت على كمال.
أيها الأخوة... الدعوة الصامتة إجابةٌ مفحمة لكل المضللين.
شيءٌ آخر في الدعوة الصامتة، أن النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً لو نصح الفقراء بالصبر وكان غنياً، وكان يعيش حياةً مترفةً، والله كلامه لا يصدقه أحد، أما حينما ذاق الفقر، دخل بيته قال : أعندكم شيء؟ والله أنا أعتقد أنه ما من واحدٍ منكم على الإطلاق إذا دخل بيته وقال لأهله: أعندكم شيء ؟ يقال له: لا. مستحيل، قالوا: لا، قال :
(( فإني صائم ))
[الجامع الصغير عن السيدة عائشة]
ذاق الفقر، فإذا نصحنا أن نصبر، على العين والرأس، لأنه عاش آلام الفقر ونصحنا أن نصبر، أما لو كان مترفاً؛ دعوةٌ مضحكة، دعوة المترف إلى التقشُّف دعوةٌ مضحكة، لما أمرنا أن نعفو، وبإمكانه أن يطبق على أهل الطائف الجبلين، قال:
(( اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون ))
[ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ]
هذه الدعوة الخالدة، لأنها بنيت على موقف.
أيها الأخوة... حديثٌ طويل، ولكن إن أردتهم أن تكونوا دعاةً كباراً من دون ثقافةٍ عاليةٍ، ومن دون اطلاعٍ كبيرٍ على ما في الكُتُب، ومن دون معالجة أدق القضايا، يمكن بصدقك، وأمانتك، واستقامتك، وعفافك أن تكون أكبر داعيةٍ وأنت صامت، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس.
والله أيها الأخوة سمعت قصتين، الأولى سمعتها يوم كنت في الحج: أن رجلاً ألمانياً أسلم، فكان سبب إسلامه أن طالباً من سوريا سكن عنده في البيت، وعند هذا الرجل فتاةٌ جميلةٌ جداً، لم يستطع والد هذه الفتاة أن يرى هذا الشاب مرةً ينظر إلى ابنته، غض البصر وحده جعله يسلم، غض البصر وحده.
هناك أستاذ رياضيات في مدينة في أمريكا ملحد، ويسخَر من كل الأديان، رأى فتاةً محجبةً حجاباً كاملاً تحضِّر دكتوراه في الرياضيات، قال: البنات هنا عرايا في الصيف، فما الذي في ذهن هذه الفتاة ؟ ماذا عندها من قناعات حتى ترتدي هذه الثياب الكاملة ؟! ثيابها فقط دعته إلى دراسة الإسلام، والآن هو أكبر داعية هناك، لم تتكلم بكلمة واحدة إلا أن حجابها كان كاملاً والوقت صيف، والقيم هناك منهارة، وكل شيء يدعو إلى التفلُّت، فتاةٌ محجبةٌ حجاباً كاملاً جعلت من ملحدٍ داعيةً، وإنسان بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء، جعله شابٌ غض بصره عن ابنته مسلماً، وهناك قصصٌ والله لا تعد ولا تحصى، الذي يشد الناس إلى الدين مسلمٌ حقيقي مطبقٌ لأحكام الدين.
مجالات الدعوة الصامتة :
1 ـ القدوة :
كن قدوة لمن حولك
يا أيها الأخوة الأكارم... مجالات الدعوة الصامتة، أول مجالٍ: أن تكون قدوةً، هذا ملخص الماضي، أن تكون قدوةً وأسوةً لمن حولك فقط، ما جربوا عليك كذباً قط، ولا نفاقاً، ولا توانياً، ولا تكاسلاً، ولا تقصيراً، ولا إساءةً، ولا كلمةً بذيئة، القدوة والأسوة الحسنة هي أول مجالٍ من مجالات الدعوة الصامتة.





2 ـ التفوق :
التفوق في عملك هو دعوة صامتة
هناك شيء يبدو أنه في هذه الأيام مهمٌ جداً هو أنك إذا تفوقت في مجال الحياة؛ تفوقت في علمك، في اختصاصك، في حرفتك، وكنت مسلماً تصلي، ربط الناس بين تفوقك في الدنيا وبين دينك، إذا كنت متفوقاً وأنت في أعلى درجة، وأنت ملتزمٌ، الناس يربطون بين التفوق وبين الالتزام.
مثل بين أيديكم: لو أن أباً ابنه في مسجد، ونال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية، الأب ببساطة يربط هذا التفوق بالانتماء لهذا المسجد، يقول له بعد الامتحان والنجاح: خذ أخاك معك إلى المسجد. أما لو أن هذا الابن ملتزم لكنه رسب، الأب يعزو رسوبه إلى المسجد، فيمنعه من متابعة الدروس، إذا تفوَّقت في شهاداتك، في امتحاناتك، في طبك، في هندستك، في تجارتك، إن تفوقت وأنت ملتزم، وأنت مطبق، كنت داعيةً بطريقةٍ أخرى غير القدوة، التفوق وحده دعوةٌ إلى الله، أن تكون في قمة اختصاصك، هذا التفوق وحده دعوةٌ إلى الله.
3 ـ الإحسان :
إحسانك إلى الناس دعوة إلى الله
الإحسان إلى الناس، أن تكون هيناً ليناً، أن تكون معطاءً، أن تكون سموحاً، إحسانك إلى الناس دعوةٌ إلى الله، الإحسان قبل البيان، القدوة قبل الدعوة.
دخل عليه الصلاة والسلام إلى بستانٍ فرأى جملاً حن و ذرفت عيناه، قال:
(( من صاحب هذا الجمل ؟))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
قالوا: صبيٌ من الأنصار. قال :
(( ألا تتقي الله في هذه البهيمة ؟ ))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
حينما تحسن تفتح القلوب، القلوب موصدة ومعها العقول، فإذا أحسنت فتحت القلوب، وبعدها فتحت العقول.
(( ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها))
[ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ]
والله أعرف شاباً تزوج فتاةً غير مسلمة، ثم أسلمت، أم هذه الفتاة حينما رأت من إحسان صهرها، ومن رحمته، ومن عنايته، وقد قعدت في فراشها في أواخر عمرها، أسلمت دون أن تسمع منه كلمةً عن الإسلام، من معاملته. وهناك شواهد لا تعد ولا تحصى، المحسن يصغى إليه، المحسن يفتح القلوب بكلامه، فالإحسان إلى الناس، وتقديم البر، والخدمة لهم أحد ملامح الدعوة الصامتة، القدوة واحد، التفوق اثنان، الإحسان ثلاثة، هذه مجالات الدعوة الصادقة.
4 ـ كظم الغيظ وعدم الانتقام والتسامح :
عدم الانتقام والتسامح دعوة إلى الله
الآن، كظم الغيظ، وعدم الانتقام، والتسامح حتى في حقك كداعية، كمواطن عادي لك أن تأخذ حقك، أما كداعية فإذا تسامحت في حقك، ورأى الناس تسامحك، ولينك أحبوك، قال تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[ سورة فصلت: 34]
هذه دعوة، أن تردَّ على الإساءة بإحسانٍ هذه دعوةٌ إلى الله. رجل يجمع التبرعات دخل إلى محل تجاري، فأساء له صاحب المحل إساءةً بالغة، عمل تصرُّفاً، فجعل صاحب المحل يقع على الأرض من خجله، فتح له الصندوق وقال له: خذ ما تشاء ولا تعلمني بما تأخذ. التسامح، العفو، أن تتنازل عن بعض حقوقك كداعية، هذا يجعل الناس يميلون إليك. هذا بندٌ آخر، كظم الغيظ، والتنازل عن بعض الحقوق الشخصية مقابل أن يميل هذا الإنسان إليك.
5 ـ إنزال الناس منازلهم :
أيها الأخوة الكرام... هناك شيء في الدعوة يحتاج إلى عُمق، أبو سفيان من وجهاء قريش، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ))
[ من مختصر تفسير ابن كثير ]
هذا الشأن الذي منحه النبي لأبي سفيان جعله يميل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنزلوا الناس منازلهم، إنسان متفوق في اختصاص، ناده بلقبه العلمي يصغي إليك، إنسان عمل عملاً طيباً أثنِ عليه، هذا تمهيد إلى أن تملك قلبه، هذا أيضاً من الدعوة الصامتة.
6 ـ العاطفة الصادقة :
العاطفة الصادقة دعوة إلى الله
أما الشيء الأخير في هذا الموضوع: العاطفة الصادقة يلمحها الحاضرون، إذا كنت محباً لهم، مخلصاً لهم، تتألم لآلامهم، وتسعد لسعادتهم، هذا الشيء يعلمه من حولك، فإذا كنت صادقاً في عواطفك فالعاطفة وحدها أساسٌ من أسس الدعوة الصامتة، ولكن هناك شيئاً أيضاً غير طبيعي أن هناك من يقول: كلام عاطفي، العاطفة أساسية، لماذا خلقها الله عزَّ وجل من أجل أن تنكر ؟ ألم يقل الله عزَّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾
[ سورة الانفطار : 6-7]
خاطب قلبه أولاً..
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾
ثم خاطب عقله، أنت حينما تستخدم العاطفة الصادقة في التعبير عن مشاعرك تجاه الآخرين، يحبك الآخرون، أما أن تكون جامد العاطفة، تتحدث بالأفكار فقط، هذه دعوةٌ متصحِّرة ليست فيها حياة العاطفة، أنا أقول: لابد من التوازن ؛ إن بالغت في الفكر من دون عاطفةٍ لا تنجح، وإن جعلت الدرس كله عواطف، وانفعالات، وبكاء، وصراخ، وعويل لا تنجح، لابد من فكرٍ ناضج، ولابد من عاطفةٍ متزنة.
فهذه أيها الأخوة لا تحتاج إلى تفوق، ولا إلى شهادات، كل واحدٍ منكم بعمله، باختصاصه. والله أيها الأخوة قصةٌ جاءتني الآن: أخٌ كريم يعمل في دائرة، فقدم لرئيسه إجازة ستة أيام، قال له: لا يوجد إجازات، قال له: هذه الإجازة تعادل صلاة الظهر ثلاثين يوماً في جامع جانب الدائرة، فأنا من أجل الأمانة كل يوم ربع ساعة، جمعت هذا الوقت كله فبلغ ستة أيام إجازة، فصعق هذا المدير ثم قال له: أنت مَن شيخك ؟ وفي أي جامعٍ أنت ؟ أجابه، المفاجأة أن هذا الذي كان بعيداً عن الدين بُعد الأرض عن السماء كان في المسجد في الأسبوع القادم، ما هذه التربية ؟ يحاسب نفسه على ربع ساعة، صلى فيها الظهر إلى جانب الدائرة، جمع هذا الوقت ـ أنا لا ألقي الآن حكماً فقهياً، هذا موضوع ثان، أنا أذكر مثلاً، يحتاج إلى مناقشة، وإلى توضيح، فهذا الإنسان عندما رأى من الموظف حرصه البالغ على الدوام، ومحاسبة نفسه بشدة، اشتهى أن يكون في عداد روَّاد هذا المسجد.
فيا أيها الأخوة... هذه الخطبة من نوع آخر، طبعاً مع طوفان الشهوات، وشيوع الضلالات، والفسق، والفجور، نحن في أمس الحاجة إلى دعاة، أما الدعاة المتكلِّمون فرائعون لكنهم قلَّة، أما الدعاة الصامتون فيجب أن يكونوا كثرة، بل بإمكان كل مؤمنٍ مهما كان شأنه ضعيفاً أن يكون داعيةً صامتاً، والناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم.
أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الصلاة التي تصليها و العمل الصالح الذي تعمله يبقى و الباقي كله فان :
أيها الأخوة الكرام... معنا في المسجد لجنةٌ كريمة لجمع التبرعات لثانويتين شرعيتين، الأولى في دوما والثامنة في داريا. أريد أن أقول لكم أيها الأخوة: إنك إذا علَّمت فتاةً علَّمت أسرةً، الفتاة هي المربية، النبي عليه الصلاة والسلام جاءته امرأةٌ قالت:
" يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهلٍ ومالٍ وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي قال: أنتِ علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا - أنا أربيهم- وإن ضممتهم إليَّ جاعوا ".
التفاصيل اليومية لتربية الأولاد منوطة بالأم
الشاهد في هذه القصة أن المرأة مربية، وأن الرجل عمله خارج المنزل يكدح ليأتي برزق أولاده وعياله، هو القائد المشرف، أما التفاصيل اليومية فمنوطةٌ بالأم، فإذا علمت أماً علَّمت أسرةً، وإذا علّمت المرأة علّمت نصف المجتمع، فيأ أيها الأخوة هاتان الثانويتان الشرعيتان لا أزكي القائمين عليها على الله، ولكن أحسبهم صالحين، هم يربون آلاف الفتيات على الكتاب والسُّنة، فإن دعمتم هاتين الثانويتين فهذا في صحيفة أعمالكم، وأرجو الله أن يكون هذا الدعم صدقةً جاريةً، فـالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
مرةً ذكرت لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه فمروا بقبر، فقال:
(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون وتنفلكم يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم ))
[ورد في الأثر]
ونحن أيها الأخوة سوف نمضي، ما الذي يبقى ؟ درهمٌ أنفقته في سبيل الله، ركعتان صليتهما بإخلاصٍ لله عزَّ وجل، كلمة حقٍ نطقتها، عيادة مريضٍ عدته، صلة رحمٍ وصلتها، هذا الذي يبقى، أي معظم النشاط لا قيمة له، ماذا أكلنا ؟ ماذا شربنا ؟ ماذا عملنا ؟ كيف جمعنا الأموال ؟ كله يذهب، فقد كان عليه الصلاة والسلام يوزع شاةً، وزعها كلها لم يبقَ إلا كتفها قالت السيدة عائشة له: لم يبقَ إلا كتفها، اجعل لنا شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( بل بقيت كلها إلا كتفها ))
[ الجامع الصغير عن عائشة ]
فالذي يبقى هذا الذي تنفقه اليوم، وهذه الصلاة التي تصليها، وهذا العمل الصالح الذي تعمله، وهذه الصلة التي تصلها، هذا الذي يبقى والباقي كله..
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
[ سورة الرحمن : 26]
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بينا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وبأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين، ولا تهلكنا بالسنين يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:19 am

الإيمان وحده من دون استقامةٍ أو التزامٍ لا يجدي ولا ينفع :
الأنبياء والمرسلون قمم البشر
أيها الأخوة المؤمنون... الأنبياء والمرسلون قمم البشر؛ اصطفاهم الله عزَّ وجل، وطهَّرهم، وزكَّاهم، وجعلهم دعاةً إلى الله بأقوالهم وأفعالهم، جاؤوا بالكلمة الطيبة التي غيِّرت وجه الحياة، غيرت معالم الأرض، جاؤوا بالكلمة الصادقة، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
أيها الأخوة... لكن حينما فشا الكذب، وفشا التزوير، وفشا الفساد في الأرض، والإنسان في الأصل منطقي، فكل إنسانٍ انحرف غطَّى انحرافه بكلام، أو أنه تكلَّم كلاماً لا يؤكِّده الواقع، فالذي حصل مع مرور الأيام أن الناس زهدوا بالكلمة - أيَّة كلمة- والدعاة إلى الله سلاحهم الأول الكلمة، فلابد من أجل أن ينتشر الحق من أن تدعَّم هذه الكلمة بواقعٍ متألِّق، لأن الله عزَّ وجل حينما قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
الاستقامة سلوك عملي
قالوا: ربنا الله؛ هذا معتقدهم، هذا المنطلق النظري، هذه العقيدة، هذا التصوُّر، ثم استقاموا هذا السلوك العملي، ولا يمكن أن يفرق في الدين بين ما تعتقد وبين ما تعمل، لابد من حركة، لابد من التزام، لابد من أن تعطي لله وأن تمنع لله، لابد من كلمة لا بملء الفم إذا انتهكت حرمات الله عزَّ وجل، لابد من موقف، لابد من سلوك، في أكثر من مئتين وخمسين آية ورد قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البينة: 7 ]
وكأن الإيمان وحده من دون استقامةٍ، أو التزامٍ، أو عملٍ صالحٍ لا يجدي، ولا ينفع، ولا يرقى بصاحبه إلى النجاة.
مهمات الأنبياء :
مهمة الرسل الأخطر هي أنهم قدوة
أيها الأخوة... لكن الحقيقة الثانية هي أن الأنبياء الكرام صلوات الله عليهم وسلامه كانت لهم مهمتان كبيرتان؛ المهمة الأولى: تبليغية، لكن المهمة الأخطر هي: مهمة القدوة، هم بلَّغوا الناس بألسنتهم، وبلغوهم بأحوالهم، تبليغهم بأحوالهم أبلغ من تبليغهم بألسنتهم، إذاً هم دعوا إلى الله بأحوالهم، باستقامتهم، بصدقهم، بأمانتهم، بعفافهم، بإنجازهم للوعد، برحمتهم، بعفوهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش، ونسفك الدماء، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ".
الدعوة الصامتة :
لغة العمل أبلغ من لغة القول
أيها الأخوة... بعد هذه المقدمة موضوع الخطبة اليوم : الدعوة الصامتة، يمكن أن تكون أكبر داعيةٍ إلى الله، ويمكن أن تفعل فعلاً ما فعله أحد وأنت صامت، وأنت مطبقٌ شفتيك، لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول، ولأن الناس يتعلَّمون بعيونهم ولا يتعلَّمون بآذانهم، لأن الناس محتاجون إلى أن يروا مسلماً متحرِّكاً يعيش معهم، يتأثَّر كما يتأثَّرون، لكنه انتصر على نفسه كما لم ينتصروا، يريدون أناساً يقطفون ثمار هذا الدين ولا يتحدثون عنه، الناس يريدون مجتمعاً إسلامياً فيه الصدق، والأمانة، والعفاف، والرحمة، واللطف، لن تتوسع دوائر الحق إلا بالتطبيق العملي، وشتَّان بين أن تقول: مئة ألف، أو مليون، أو ألف مليون، بين أن تلفظها وبين أن تملكها، شتان بين أن تملك خارطة قصرٍ منيف، وبين أن تسكن هذا القصر، بين أن تملك صورة سيارةٍ فارهة، وبين أن تركب هذه السيارة، فرقٌ كبير وبونٌ شاسع بين القول والعمل.
خصائص الدعوة الصامتة :
1 ـ الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالأقوال :
أيها الأخوة الكرام... هذه الدعوة إلى الله، الدعوة الصامتة ما خصائصها ؟ وما مزاياها ؟ بادئ ذي بدء حال واحدٍ في ألف ؛ إنسان مطبق، مخلص، موصول، حال واحدٍ في ألف أبلغ من قول ألفٍ في واحد، أول مزايا الدعوة الصامتة: أن الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالأقوال، فكلٌ منَّا يستطيع أن ينمِّق الكلام، وأن يُدَبِّج المقال، وأن يحسن الحديث، وأن يتفوَّه بما لا يعتقد، وأن يفعل ما لا يقول، وهذه مشكلة المشكلات، وهذه معضلة المعضلات أن نقول ما لا نعتقد، وأن نفعل ما لا نقول، أيُّ إنسانٍ أوتي ذكاءً أو ثقافةً بإمكانه أن يتكلم كلاماً مقنعاً، ولكن الذي يهز ضمائرنا، ويثير حماسنا، ويشدُّنا إلى الدين أن نرى رجلاً يفعل ما يقول، ويقول ما يعتقد، نريد أن نرى مسلماً متحرِّكاً، كما أن بعض العلماء قال: القرآن كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي. يمشي بين الناس.
أيها الأخوة الكرام... النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، أمر أصحابه أن يتحللوا وأن يحلقوا، لكن ما الذي حصل ؟ حينما خرج وتحلل وحلق ونحر تابعه أصحابه، هذه نقطة دقيقة جداً، حينما كان مع أصحابه في سفر، وأرادوا أن يعالجوا شاةً ليأكلوها، قال أحدهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: عليَّ جمع الحطب، قالوا: نكفيك هذا يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا الموقف أبلغ ألف مرة من مئة ألف محاضرةٍ في التواضع، موقف؛ علَّمهم بأحواله، قام وجمع الحطب، حينما كانوا في معركة بدر، وكانت الرواحل قليلة، فقال عليه الصلاة والسلام:
((كل ثلاثةٍ على راحلة وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة ))
[ أحمد عن ابن مسعود ]
ركب النبي الناقة في نوبته، فلما انتهت نوبته وجاء دوره في المشي، فتوسل إليه صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام:
((ما أنتما بأقوى مني على السير ـ كان قوياً صلى الله عليه وسلم ـ ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))
[ أحمد عن ابن مسعود ]
هذا تعليمٌ بالأحوال لا بالأقوال، والله الذي لا إله إلا هو، لو أن كل مسلمٍ ولو لم يكن داعيةً، ولو لم يكن محصلاً للعلم الشرعي الذي ينبغي أن يحصله الدعاة، ولو لم يكن طليق اللسان، يكفي أن يكون أميناً وصادقاً ووديعاً ورحيماً وليِّناً ليفعل فيمن حوله فعل السحر. نحن بحاجةٍ إلى إنسانٍ يفعل أكثر مما نحن محتاجون إلى إنسانٍ يقول.
أيها الأخوة الكرام... هذه الدعوة الصامتة أول مزاياها: أن الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالأقوال.
2 ـ من يدعو الناس بأحواله كل من حوله يفهم عليه من دون تردد :
هناك خاصةٌ ثانية: المتكلم إما أن يرفع مستوى كلامه، فيأتي بالأدلة الدقيقة والعميقة، إما أن يرفع مستوى لغته، وإما أن يحلِّق في عالم الأدب، وإما أن يأتي بأحدث ما في العلم، مَن يتابعه ؟ قلةٌ قليلة، وإما أن يضعِّف المستوى، ويتكلم بالعامية ليفهم الكثرة الكثيرة، لكن الخواص ينفرون منه، فالدعوة بالأحوال يستوي جميع الناس في فهمها، مثقَّفُهم وغير مثقفِهم، العمل واضحٌ كالشمس، فأنت إن رفعت المستوى خسرت الطبقة الواسعة، وإن خفَّضت المستوى خسرت الطبقة الخاصة، أما إذا كنت أميناً، أما إذا كنت مستقيماً، أما إذا كنت صادقاً، أما إذا كنت رحيماً، أما إذا كنت أباً كاملاً، أو زوجاً كاملاً، فإن كل من حولك يفهم عليك، لأن الحركة لا تحتاج إلى ثقافة، لكنها تحتاج إلى رؤية، هذه ميزةٌ ثانية أن الذي يدعو الناس بأحواله كل من حوله يفهم عليه من دون تردد.
3 ـ الحدث المشاهد أثبت بكثير من الكلمة المسموعة :
الصورة تبقى في الذهن فترة أطول
خصيصةٌ ثالثة للدعوة الصامتة، قال العلماء- علماء النفس-: إن الحدث المشاهد أثبت بكثير من الكلمة المسموعة. مرةً كنا في الجامعة وكان هناك مادةٌ اسمها: الصحة النفسية فيها ثلاثمئة مرض نفسي، عرض علينا أستاذنا مشهداً متحركاً لمرضٍ اسمه الصراع، هذا المشهد الذي رأيناه متحركاً بكل دقائقه لازال في ذاكرتي دائماً، السبب أن المشاهد المتحركة أثبت في النفس من الكلمات المنطوقة، أنت حينما تشاهد حادثاً مروِّعاً، تبقى صورته في ذهنك إلى أمدٍ طويل، أما إذا قرأت مقالةً عن حوادث السير، سرعان ما تنساها، لذلك الحياة شيء، والكلمة المكتوبة شيءٌ آخر، فأنت حينما تعلِّم الناس بأحوالك. النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأةً تقبِّل ابنها وقد ألقمته ثديها، فالنبي عليه الصلاة والسلام - وهذا المشهد أمام أصحابه جميعاً - قال:
(( هذه المرأة أتلقي بولدها إلى النار ؟))
قالوا: معاذ الله !! أم، قال :
((لله أرحم بعبده من هذه بولدها ))
[ البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
هذا المشهد لا ينسى، فأنت إن علَّمت الناس بأحوالك، بمواقفك، بتواضعك، بكرمك، برحمتك، بعفوك، أنت مشهد متحرك لا ينسى هذا أبداً، أما إذا كنت فصيحاً وألقيت كلاماً بليغاً، وتفننت في عرض الفكرة، وجئت بأدلَّتها، هذا كلامٌ طيب له تأثيرٌ آني، ولكن بعد حين يبقى انطباعٌ ضبابي، والله جلسة رائعة، كلمة رائعة، فما مضمونها ؟ والله لا أذكر، أما حينما تشاهد وأنت في حالةٍ إنسانية، وأنت تعمل عملاً طيِّباً، هذا الموقف المتحرك، هذا الذي اشتركت في نقله عدة حواس هذا لا ينسى، قالوا: في التعليم كلما كثرت الحواس التي تستقبل الشيء كان أثره أبلغ، يكفي أن تكون مسلماً، يكفي أن تكون صادقاً.
حدثني أخ دخل إلى بقالية، قال له: أعندك بيضٌ طازج ؟ قال له: والله الذي عندي جئت به قبل عدة أيام، أما جاري فجاءته وجبةٌ الآن، خذ من جاري. هذا أبلغ من ألف خطبة، رأى الصدق. أعندك بيضٌ طازج ؟ قال له: لا، جاري عنده. مثل هذا البقَّال إن تكلم كلمةً في الدين تسمع لأنه عند كلمته.. أرجو المعذرة أنا لا أقلل من أهمية المتكلمين، قد يكونون أعلام الأمة، أما هؤلاء المتكلمون الذين هم أعلام الأمة فما كانوا أعلام الأمة إلا لأن واقعهم أكّد كلامهم.
الدعوة إلى الله لها أثرٌ كبير إما بكلامٍ صادقٍ أو بعملٍ صامت :
أيها الأخوة الكرام... الكلمة الصادقة، أو المصداقية في الكلام، حينما تكون متكلماً فصيحاً ذا بيانٍ، ويتَّبع الناس أحوالك، فيرون حالك كما تقول، عندئذٍ يصدقونك، مرةً سألت أحد الدعاة في بلدٍ عربي: ما نصيحتك إلى الدعاة إلى الله ؟ كنت أظنه أنه سيتكلم كلاماً طويلاً، فإذا بها كلمةٌ واحدة، قال: ليحرص الداعي ألا يراه المدعوون على خلاف ما يقول، فقط ولا أزيد على هذه النصيحة. لأنك إن لم تفعل ما تقول هناك سؤالٌ كبير: هو لا يطبق كيف يعلمنا ؟ فإن كان مقصراً ليس أهلاً أن يقول، وإن كان هذا الذي يقوله ليس واقعياً لا علاقة لنا به.
أيها الأخوة... الدعوة إلى الله لها أثرٌ كبير إما بكلامٍ صادقٍ يؤكده الواقع، أو بعملٍ صامت يراه كل من حولك.
هناك شيء دقيق جداً هو أن الناس ألفوا إما بوسوسة من الشيطان أو بخبثٍ منهم، أنهم كلما دعوا إلى الحق قالوا: هذا كلام مثالي يا أخي، نحن عندنا واقع. كل إنسان أراد أن يتفلَّت من منهج الله يدعي أن هذه مثالية، هذا كلام، لكن حينما تدعو إلى الله بعملك، تقدم المثالية مع البرهان عليها أنها واقعية، ما الذي يجعل المثال واقعاً ؟ إذا طُبِّق، وأنا أرى أن الأبلغ من ذلك أن يكون إنسانٌ يعاني ما يعانيه الناس، ويؤلمه ما يؤلمهم، ويغريه ما يغريهم، يؤدِّي الأمانة إلى أهلها، أقسم لي بالله رجل أنه أعاد إلى ورثةٍ عشرين مليون دون أن يعلموا عنها، ودون إيصال، ودون وثيقة، ودون إدانة، بل ودون علم، قدمها لوجه الله لأنها من حقهم.
أيها الأخوة... مثل هذه المواقف؛ موقفٌ فيه أمانةٌ تدهش، فيه مؤاثرةٌ تدهش، فيه تواضعٌ مدهش، هذا الذي يجذب الناس إلى الدين، أنا أرى أن فصاحة الفصحاء لا تكفي كي تشد الناس إلى الدين، ولكن عمل العاملين، وصدق الصادقين، وتواضع المتواضعين، ورحمة الرحماء، هي التي تشد الناس إلى الدين، إذاً حينما تدعو وأنت صامت تقدم الحقيقة مع البرهان عليها، تجعل ما يدَّعيه الناس مثالاً تجعله واقعاً، وكلما كان المثل معاصراً- إنسان يعاني ضغوطاً، لكنه كان وَقَّافاً عند كتاب الله، أعطى كل ذي حقٍ حقه- كان أبلغ.
الدعوة الخالدة هي الدعوة المبنية على موقف و كمال :
أيها الأخوة الكرام... أعداء الدين لهم شأنٌ واحد من آدم إلى يوم القيامة؛ أن يشككوا، أن ينتقدوا، أن يضعِّفوا، أن يفرغوا، هذه مهمتهم، ما دامت الدعوة بيانية فقط، ما دامت كلاماً فقط، فهناك ألف مجالٍ ومجالٍ للطرف الآخر أن ينقد هذه الدعوة؛ يشكك في النوايا، يشكك في الأهداف، يسبغ عليها طابعاً مصلحياً وهي بريئةٌ منه، ما دامت الدعوة بيانيةً فقط، لأعداء الدين ألف سبيلٍ وسبيلٍ عليها، ما دامت الدعوة بيانيةً فقط، وتأليفيةً فقط، وكُتُباً فقط، لأعداء الدين ألف سبيلٍ وسبيلٍ عليها، أما حينما تغدو الدعوة سلوكاً، وممارسةً، وحركةً، وواقعاً، هذا يخرس أعداء الدين.
فمثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام حينما عامل أهل مكة برحمةٍ ما بعدها رحمة، ناصبته العداء عشرين عاماً، وقد انتصر عليها انتصاراً حاسماً مؤزَّراً عزيزاً، وبإمكانه أن ينتقم أشدّ أنواع الانتقام، بإمكانه أن يلغي وجودهم بإشارةٍ لا بعبارة. قال:
(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ من فيض القدير في شرح الجامع الصغير ]
حتى قال أبو سفيان: ما أعدلك! وما أرحمك! وما أكرمك! وما أوصلك! هذه الدعوة الخالدة لأنها بنيت على موقف، بنيت على كمال.
أيها الأخوة... الدعوة الصامتة إجابةٌ مفحمة لكل المضللين.
شيءٌ آخر في الدعوة الصامتة، أن النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً لو نصح الفقراء بالصبر وكان غنياً، وكان يعيش حياةً مترفةً، والله كلامه لا يصدقه أحد، أما حينما ذاق الفقر، دخل بيته قال : أعندكم شيء؟ والله أنا أعتقد أنه ما من واحدٍ منكم على الإطلاق إذا دخل بيته وقال لأهله: أعندكم شيء ؟ يقال له: لا. مستحيل، قالوا: لا، قال :
(( فإني صائم ))
[الجامع الصغير عن السيدة عائشة]
ذاق الفقر، فإذا نصحنا أن نصبر، على العين والرأس، لأنه عاش آلام الفقر ونصحنا أن نصبر، أما لو كان مترفاً؛ دعوةٌ مضحكة، دعوة المترف إلى التقشُّف دعوةٌ مضحكة، لما أمرنا أن نعفو، وبإمكانه أن يطبق على أهل الطائف الجبلين، قال:
(( اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون ))
[ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ]
هذه الدعوة الخالدة، لأنها بنيت على موقف.
أيها الأخوة... حديثٌ طويل، ولكن إن أردتهم أن تكونوا دعاةً كباراً من دون ثقافةٍ عاليةٍ، ومن دون اطلاعٍ كبيرٍ على ما في الكُتُب، ومن دون معالجة أدق القضايا، يمكن بصدقك، وأمانتك، واستقامتك، وعفافك أن تكون أكبر داعيةٍ وأنت صامت، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس.
والله أيها الأخوة سمعت قصتين، الأولى سمعتها يوم كنت في الحج: أن رجلاً ألمانياً أسلم، فكان سبب إسلامه أن طالباً من سوريا سكن عنده في البيت، وعند هذا الرجل فتاةٌ جميلةٌ جداً، لم يستطع والد هذه الفتاة أن يرى هذا الشاب مرةً ينظر إلى ابنته، غض البصر وحده جعله يسلم، غض البصر وحده.
هناك أستاذ رياضيات في مدينة في أمريكا ملحد، ويسخَر من كل الأديان، رأى فتاةً محجبةً حجاباً كاملاً تحضِّر دكتوراه في الرياضيات، قال: البنات هنا عرايا في الصيف، فما الذي في ذهن هذه الفتاة ؟ ماذا عندها من قناعات حتى ترتدي هذه الثياب الكاملة ؟! ثيابها فقط دعته إلى دراسة الإسلام، والآن هو أكبر داعية هناك، لم تتكلم بكلمة واحدة إلا أن حجابها كان كاملاً والوقت صيف، والقيم هناك منهارة، وكل شيء يدعو إلى التفلُّت، فتاةٌ محجبةٌ حجاباً كاملاً جعلت من ملحدٍ داعيةً، وإنسان بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء، جعله شابٌ غض بصره عن ابنته مسلماً، وهناك قصصٌ والله لا تعد ولا تحصى، الذي يشد الناس إلى الدين مسلمٌ حقيقي مطبقٌ لأحكام الدين.
مجالات الدعوة الصامتة :
1 ـ القدوة :
كن قدوة لمن حولك
يا أيها الأخوة الأكارم... مجالات الدعوة الصامتة، أول مجالٍ: أن تكون قدوةً، هذا ملخص الماضي، أن تكون قدوةً وأسوةً لمن حولك فقط، ما جربوا عليك كذباً قط، ولا نفاقاً، ولا توانياً، ولا تكاسلاً، ولا تقصيراً، ولا إساءةً، ولا كلمةً بذيئة، القدوة والأسوة الحسنة هي أول مجالٍ من مجالات الدعوة الصامتة.





2 ـ التفوق :
التفوق في عملك هو دعوة صامتة
هناك شيء يبدو أنه في هذه الأيام مهمٌ جداً هو أنك إذا تفوقت في مجال الحياة؛ تفوقت في علمك، في اختصاصك، في حرفتك، وكنت مسلماً تصلي، ربط الناس بين تفوقك في الدنيا وبين دينك، إذا كنت متفوقاً وأنت في أعلى درجة، وأنت ملتزمٌ، الناس يربطون بين التفوق وبين الالتزام.
مثل بين أيديكم: لو أن أباً ابنه في مسجد، ونال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية، الأب ببساطة يربط هذا التفوق بالانتماء لهذا المسجد، يقول له بعد الامتحان والنجاح: خذ أخاك معك إلى المسجد. أما لو أن هذا الابن ملتزم لكنه رسب، الأب يعزو رسوبه إلى المسجد، فيمنعه من متابعة الدروس، إذا تفوَّقت في شهاداتك، في امتحاناتك، في طبك، في هندستك، في تجارتك، إن تفوقت وأنت ملتزم، وأنت مطبق، كنت داعيةً بطريقةٍ أخرى غير القدوة، التفوق وحده دعوةٌ إلى الله، أن تكون في قمة اختصاصك، هذا التفوق وحده دعوةٌ إلى الله.
3 ـ الإحسان :
إحسانك إلى الناس دعوة إلى الله
الإحسان إلى الناس، أن تكون هيناً ليناً، أن تكون معطاءً، أن تكون سموحاً، إحسانك إلى الناس دعوةٌ إلى الله، الإحسان قبل البيان، القدوة قبل الدعوة.
دخل عليه الصلاة والسلام إلى بستانٍ فرأى جملاً حن و ذرفت عيناه، قال:
(( من صاحب هذا الجمل ؟))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
قالوا: صبيٌ من الأنصار. قال :
(( ألا تتقي الله في هذه البهيمة ؟ ))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
حينما تحسن تفتح القلوب، القلوب موصدة ومعها العقول، فإذا أحسنت فتحت القلوب، وبعدها فتحت العقول.
(( ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها))
[ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ]
والله أعرف شاباً تزوج فتاةً غير مسلمة، ثم أسلمت، أم هذه الفتاة حينما رأت من إحسان صهرها، ومن رحمته، ومن عنايته، وقد قعدت في فراشها في أواخر عمرها، أسلمت دون أن تسمع منه كلمةً عن الإسلام، من معاملته. وهناك شواهد لا تعد ولا تحصى، المحسن يصغى إليه، المحسن يفتح القلوب بكلامه، فالإحسان إلى الناس، وتقديم البر، والخدمة لهم أحد ملامح الدعوة الصامتة، القدوة واحد، التفوق اثنان، الإحسان ثلاثة، هذه مجالات الدعوة الصادقة.
4 ـ كظم الغيظ وعدم الانتقام والتسامح :
عدم الانتقام والتسامح دعوة إلى الله
الآن، كظم الغيظ، وعدم الانتقام، والتسامح حتى في حقك كداعية، كمواطن عادي لك أن تأخذ حقك، أما كداعية فإذا تسامحت في حقك، ورأى الناس تسامحك، ولينك أحبوك، قال تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[ سورة فصلت: 34]
هذه دعوة، أن تردَّ على الإساءة بإحسانٍ هذه دعوةٌ إلى الله. رجل يجمع التبرعات دخل إلى محل تجاري، فأساء له صاحب المحل إساءةً بالغة، عمل تصرُّفاً، فجعل صاحب المحل يقع على الأرض من خجله، فتح له الصندوق وقال له: خذ ما تشاء ولا تعلمني بما تأخذ. التسامح، العفو، أن تتنازل عن بعض حقوقك كداعية، هذا يجعل الناس يميلون إليك. هذا بندٌ آخر، كظم الغيظ، والتنازل عن بعض الحقوق الشخصية مقابل أن يميل هذا الإنسان إليك.
5 ـ إنزال الناس منازلهم :
أيها الأخوة الكرام... هناك شيء في الدعوة يحتاج إلى عُمق، أبو سفيان من وجهاء قريش، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ))
[ من مختصر تفسير ابن كثير ]
هذا الشأن الذي منحه النبي لأبي سفيان جعله يميل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنزلوا الناس منازلهم، إنسان متفوق في اختصاص، ناده بلقبه العلمي يصغي إليك، إنسان عمل عملاً طيباً أثنِ عليه، هذا تمهيد إلى أن تملك قلبه، هذا أيضاً من الدعوة الصامتة.
6 ـ العاطفة الصادقة :
العاطفة الصادقة دعوة إلى الله
أما الشيء الأخير في هذا الموضوع: العاطفة الصادقة يلمحها الحاضرون، إذا كنت محباً لهم، مخلصاً لهم، تتألم لآلامهم، وتسعد لسعادتهم، هذا الشيء يعلمه من حولك، فإذا كنت صادقاً في عواطفك فالعاطفة وحدها أساسٌ من أسس الدعوة الصامتة، ولكن هناك شيئاً أيضاً غير طبيعي أن هناك من يقول: كلام عاطفي، العاطفة أساسية، لماذا خلقها الله عزَّ وجل من أجل أن تنكر ؟ ألم يقل الله عزَّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾
[ سورة الانفطار : 6-7]
خاطب قلبه أولاً..
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾
ثم خاطب عقله، أنت حينما تستخدم العاطفة الصادقة في التعبير عن مشاعرك تجاه الآخرين، يحبك الآخرون، أما أن تكون جامد العاطفة، تتحدث بالأفكار فقط، هذه دعوةٌ متصحِّرة ليست فيها حياة العاطفة، أنا أقول: لابد من التوازن ؛ إن بالغت في الفكر من دون عاطفةٍ لا تنجح، وإن جعلت الدرس كله عواطف، وانفعالات، وبكاء، وصراخ، وعويل لا تنجح، لابد من فكرٍ ناضج، ولابد من عاطفةٍ متزنة.
فهذه أيها الأخوة لا تحتاج إلى تفوق، ولا إلى شهادات، كل واحدٍ منكم بعمله، باختصاصه. والله أيها الأخوة قصةٌ جاءتني الآن: أخٌ كريم يعمل في دائرة، فقدم لرئيسه إجازة ستة أيام، قال له: لا يوجد إجازات، قال له: هذه الإجازة تعادل صلاة الظهر ثلاثين يوماً في جامع جانب الدائرة، فأنا من أجل الأمانة كل يوم ربع ساعة، جمعت هذا الوقت كله فبلغ ستة أيام إجازة، فصعق هذا المدير ثم قال له: أنت مَن شيخك ؟ وفي أي جامعٍ أنت ؟ أجابه، المفاجأة أن هذا الذي كان بعيداً عن الدين بُعد الأرض عن السماء كان في المسجد في الأسبوع القادم، ما هذه التربية ؟ يحاسب نفسه على ربع ساعة، صلى فيها الظهر إلى جانب الدائرة، جمع هذا الوقت ـ أنا لا ألقي الآن حكماً فقهياً، هذا موضوع ثان، أنا أذكر مثلاً، يحتاج إلى مناقشة، وإلى توضيح، فهذا الإنسان عندما رأى من الموظف حرصه البالغ على الدوام، ومحاسبة نفسه بشدة، اشتهى أن يكون في عداد روَّاد هذا المسجد.
فيا أيها الأخوة... هذه الخطبة من نوع آخر، طبعاً مع طوفان الشهوات، وشيوع الضلالات، والفسق، والفجور، نحن في أمس الحاجة إلى دعاة، أما الدعاة المتكلِّمون فرائعون لكنهم قلَّة، أما الدعاة الصامتون فيجب أن يكونوا كثرة، بل بإمكان كل مؤمنٍ مهما كان شأنه ضعيفاً أن يكون داعيةً صامتاً، والناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم.
أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الصلاة التي تصليها و العمل الصالح الذي تعمله يبقى و الباقي كله فان :
أيها الأخوة الكرام... معنا في المسجد لجنةٌ كريمة لجمع التبرعات لثانويتين شرعيتين، الأولى في دوما والثامنة في داريا. أريد أن أقول لكم أيها الأخوة: إنك إذا علَّمت فتاةً علَّمت أسرةً، الفتاة هي المربية، النبي عليه الصلاة والسلام جاءته امرأةٌ قالت:
" يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهلٍ ومالٍ وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي قال: أنتِ علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا - أنا أربيهم- وإن ضممتهم إليَّ جاعوا ".
التفاصيل اليومية لتربية الأولاد منوطة بالأم
الشاهد في هذه القصة أن المرأة مربية، وأن الرجل عمله خارج المنزل يكدح ليأتي برزق أولاده وعياله، هو القائد المشرف، أما التفاصيل اليومية فمنوطةٌ بالأم، فإذا علمت أماً علَّمت أسرةً، وإذا علّمت المرأة علّمت نصف المجتمع، فيأ أيها الأخوة هاتان الثانويتان الشرعيتان لا أزكي القائمين عليها على الله، ولكن أحسبهم صالحين، هم يربون آلاف الفتيات على الكتاب والسُّنة، فإن دعمتم هاتين الثانويتين فهذا في صحيفة أعمالكم، وأرجو الله أن يكون هذا الدعم صدقةً جاريةً، فـالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
مرةً ذكرت لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه فمروا بقبر، فقال:
(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون وتنفلكم يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم ))
[ورد في الأثر]
ونحن أيها الأخوة سوف نمضي، ما الذي يبقى ؟ درهمٌ أنفقته في سبيل الله، ركعتان صليتهما بإخلاصٍ لله عزَّ وجل، كلمة حقٍ نطقتها، عيادة مريضٍ عدته، صلة رحمٍ وصلتها، هذا الذي يبقى، أي معظم النشاط لا قيمة له، ماذا أكلنا ؟ ماذا شربنا ؟ ماذا عملنا ؟ كيف جمعنا الأموال ؟ كله يذهب، فقد كان عليه الصلاة والسلام يوزع شاةً، وزعها كلها لم يبقَ إلا كتفها قالت السيدة عائشة له: لم يبقَ إلا كتفها، اجعل لنا شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( بل بقيت كلها إلا كتفها ))
[ الجامع الصغير عن عائشة ]
فالذي يبقى هذا الذي تنفقه اليوم، وهذه الصلاة التي تصليها، وهذا العمل الصالح الذي تعمله، وهذه الصلة التي تصلها، هذا الذي يبقى والباقي كله..
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
[ سورة الرحمن : 26]
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بينا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وبأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين، ولا تهلكنا بالسنين يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موضوع الأسبوع - أساليب الدعوة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 28, 2015 3:26 am

البحث عن الحقيقة المرة لأنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح :
أخواننا الكرام ؛ أنا أتمنى في حياتي أن أكتشف الحقيقة المرة ، ليست الحقيقة المريحة لأن هذه الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، لو إنسان يملك شيكاً مزوراً ، واكتشف بوقت مبكر أنه مزور ، أفضل من أن يقدمه ويدخل السجن ، فلابد من أن تعرف الحقيقة المرة ، العالم الاسلامي يقدر بمليار وثمانمئة مليون وليست كلمة هذا العالم هي العليا ، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، إذاً أين وعود الله عز وجل ؟
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
[سورة النور الآية : 56]
عندنا مفارقة حادة ، الآيات القرآنية التي فيها وعود للمؤمنين ، وأنا أعتقد يقيناً أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، لكن هؤلاء المؤمنين لم يستكملوا شروط النصر فلن ينتصروا ، عند الله قوانين دقيقة جداً ، من هنا أردت في هذا اللقاء الطيب أن أؤكد لكم أنه ينبغي أن تبحث عن الحقيقة المرة لأنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح .
نحن مثلاً : بعد يومين أو ثلاثة يأتي عيد الفطر السعيد ، والكلمة الأولى في هذا العيد: الله أكبر ، أنا أؤكد لكم أن الذي يطيع مخلوقاً ويعصي خالقه ، ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، واضح .
إنسان له زوجة ألزمته بعمل لا يرضي الله ، رأى أن إرضاءها أغلى عنده من إرضاء الله ، فمعنى هذا لو جاء العيد وقال : الله أكبر ، ورفع صوته بالتكبير ، لو كبر مليون مرة ، ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، هذه حقيقة ، له شريك معين ، هذا الشريك أصرّ عليه أن توضع الأموال في بنك ربوي ، وأن يأخذ الربا ، أصر عليه ، هو ماذا فعل ؟ رأى وصية شريكه أغلى عنده من آيات تحريم الربا ، فنحن لو أخذنا هذا المقياس بعد العيد ، وطبقناه على حياتنا ، سنتفاجأ أن هناك أشياء كثيرة ، نحن نطيع مخلوقاً ونعصي خالقاً ، والذي يطيع مخلوقاً ويعصي خالقاً ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة .
مثلاً هناك شريك أجبر شريكه على القرض الربوي من بنك ، هو يبدو أنه منتفع من هذه الشركة ، غلب على ظنه أن بقاءه بالشركة مع الخطأ أفضل من تركها ، عملياً ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، عندما نطبق نحن منهج الله عز وجل تماماً ، والله نرى أشياء العقل لا يصدقها .
دين الله لن تقطف ثماره إلا إذا أخذ من كل جوانبه :
من هنا أريد أن أؤكد لكم أن أي إنسان يطيع مخلوقاً ويعصي خالقه ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة .
النبي قال :
((الحَمْوُ الموتُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عقبة بن عامر ]
أي بالعيد يجب أن تجلس الكنائن جميعاً مع الأصهار في مجلس واحد !! وكل واحدة لها شكل ، ما دام هناك اختلاط ، فكل واحدة لها شكل معين فموضوع الدين ليس موضوع فلكلور ، ليس موضوع شيء تمارسه من غير دقة ، دين الله هذا الدين إما أن تأخذه من كل جوانبه ، أو إنك لن تقطف من ثماره شيئاً .
أنت هل تتصور بيتاً فيه جميع الأجهزة الكهربائية ، الخط الكهربائي الأساسي مقطوع ميلي متر واحد ، كل هذه الأشياء معطلة ، فإذا وصلت هذا القطع اشتغل كله ، أي هناك قوانين مع الله عز وجل ، نحن نريد أن تأتينا ميزات بلا ثمن ، نبحث عن نتائج بلا مقدمات ، نبحث عن انضباط ، قال لك مثلاً :
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
[ سورة الأنفال الآية : 60 ]
﴿ وَأَعِدُّوا ﴾
الذي وقع أن الطرف الآخر أعدّ لنا ولم نعد له ، أنا أقول دائماً : إذا رمزنا للحق بالشمس الساطعة ، وللباطل بالظلام الدامس ، الذي يعمل في الظلام الدامس ينتصر على النائم في ضوء الشمس ، هذه الحقيقة المرة ، الذي يعمل في الظلام الدامس ينتصر على النائم في ضوء الشمس ، فالحياة تحتاج إلى مراجعات دقيقة .
ثمن الجنة ثمن باهظ :
أيها الأخوة الكرام : أنت خلقك الله لتكون من أهل الجنة .
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن الآية : 46]
وهذه الجنة ثمنها باهظ ، أي لا تتصور إنساناً - للتقريب - يقدم طلباً إلى الجامعة: يرجى منحي لقب دكتوراه ، هو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، هذا شيء مضحك ، الدكتوراه أي ابتدائي وإعدادي ، وثانوي ، وجامعي ، وبكالوريوس ، ولسانس ، ودبلوم عامة ، ودبلوم خاصة ، وماجستير، ودكتوراه ، ثلاث عشرة شهادة بثلاث وثلاثين سنة ، يريد أن يقطف ثمار ميزات الشهادة بلا دراسة !! فكل إنسان يطلب من الله شيئاً غير واقعي يكون قد وقع بخطأ كبير جداً ، بعض الشعراء قالوا عن هؤلاء :
خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابتلوا
***
يدّعي أنه خاض البحار ولم يبتل .
اتباع الله في قرآنه و النبي في سنته :
الآن :
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31]
فالذي لا يتبع رسول الله معنى ذلك لا يحب الله بنص الآية :
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
إذاً لا بد من الاتباع ، نحن في أيام عيد المولد نعمل زينات ، نعمل أعلاماً ، نعمل لقاءات ، نحضر منشدين ، أي نقوم بأفراح غير معقولة ، لكن ما لم نطبق هذا الدين لن نقطف من ثماره شيئاً ، أنا هذه قناعتي المؤلمة ، هذه القناعة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فأنا أقول : يجب أن تراجع كل شيء في حياتك ، لأنه ما من شهوة أودعها الله فينا إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .
كنت مرة بأمريكا وجدت هناك طبيباً يخشى أن يقيم عليه المريض دعوى فيدفع ثمانين مليوناً ، فكل الأطباء يؤمنون ضد هذه الحالة ، سألت كم المبلغ ؟ أنا حتى أفهم كم يدفع الطبيب بالعملة السورية ، فوجدت أن الطبيب يدفع مليونين بالسنة ، كي يؤمن من دعوى من مريض أنه أخطأ معه بالمعالجة ، فأنا قلت له : ادفع مليوناً و ضعهم بصندوق ، وأي إنسان أصيب بشيء من الأطباء يأخذ من الصندوق ، إذا لم يصب أحد بشيء يعود هذا المبلغ عليكم ، أي تأمين تعاوني، شيء لا يصدق نحن نساهم جميعاً بهذا الصندوق ، أي واحد من المساهمين صار معه مشكلة في محله التجاري ، في سيارته يأخذ المبلغ كاملاً ، إذا لم يصب بشيء صار المبلغ للمساهمين ، فهذا المبلغ يستثمر وتؤخذ أرباحه ، إذا أردت أن تنسحب تأخذ مبلغك بكامله ، وإذا صار معك حادث تأخذ تعويضاً هذا هو التأمين التعاوني ، أعتقد يقيناً أن هذا شيء رائع ، ما من شيء حرمه الله إلا له بديل إسلامي وتابع الأمر ، ما من شيء محرم إلا له بديل إسلامي ومريح ، هذا مثلٌ واحدٌ التأمين التعاوني ، ليس حلالاً فقط بل مندوباً أيضاً , عشرة محلات تجارية ، خمسون محلاً تجارياً بيع أقمشة ، وضع كل واحد منهم مبلغاً في الصندوق ، أي واحد أصيب محله بنكبة يأخذ المبلغ ، إذا لم يصب بشيء فالمبلغ له ، وإذا كان يستثمره يأخذ أرباحه ، المسافة كبيرة جداً ، الآن أكبر شركات التأمين العملاقة البريطانية أكبر دخل هو دخل هذه الشركات ، التأمين أمنت لم تصب بشيء لن يعاد لك المبلغ ، هناك جمع أموال مذهل ، أما التأمين التعاوني فواضح ، مالك موجود تريد أن تنسحب انسحب ، تريد أن تستثمره استثمره وهكذا ، أعتقد يقيناً لا يوجد قضية الإنسان بحاجة إليها إلا لها قناة نظيفة ، أي استثمار المال يقول : أنا لا أعطي أرباحاً حقيقية ، أعطي أرباحاً ثابتة ، وضعت عند تاجر مبلغاً من المال هو لا يريد أن يعمل بالحسابات يقول لك : أخي سوف أعطيك خمسة بالمئة ، هم لم يعرف ماذا فعل ، هذا صار قرضاً ربوياً ، أقرضه مبلغاً وأخذ نسباً ثابتة ، أما إذا كان هناك حسابات وأخذ ربحه الحقيقي فلا يوجد مشكلة أبداً .
ما من مشكلة إلا جعل الله لها قناة نظيفة تسري خلالها :
ما من مشكلة يعاني منها الإنسان إلا جعل الله لها قناة نظيفة تسري خلالها ، هذا اعتقاد يقيني ، الإله العظيم يعلم أن عباده بحاجة إلى استثمار أموالهم ، فعمل المضاربة ، والله المضاربة تأخذ المال أحلّ من حليب أمك ، أحدهم معه مال والثاني عنده خبرة ، الأول دفع المال والثاني قدم الخبرة وربحوا ، والربح بينهما ، خمسون بخمسين ، ستون بأربعين ، أو سبعون بثلاثين ، أو حسب الاتفاق ، هذه المضاربة هي استثمار مشروع ، أي من أرقى أنواع الاستثمار ، لو طبق الإنسان مبدأ المضاربة لكنا بأعلى درجة .
فيا أخوان دائماً هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، كل شيء يقربك من الدين، كل شيء يحل فيه المشاكل من دون متاعب مرفوض بالعالم الآن ، أي أنه يجب أن تدفع و لا يرد لك شيء ، تدفع التأمين و لا تأخذ منه شيئاً إن لم تصاب بشيء .
وهناك تأمين تطوعي هذا عليه إشكال ، الإلزامي صار ضريبة ، أما التطوعي فعليه إشكال ، فأنت عندما تتفقه في الدين ، تعرف ما يجوز وما لا يجوز ، تمشي بشكل صحيح ، والله يضمن لك حياة مستقرة هنيئة .
الدعوة إلى الله دعوتان ؛ دعوة إلى الله ودعوة إلى الذات :
الآن عندنا نقطة : أنا أقول : أحب الله ، هذا كلام طيب ، و نرجو أن تكون كذلك لكن .
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31]
إذاً علامة حبك لله بالاتباع ، أنا أقول : دائماً الدعوة إلى الله دعوتان ؛ دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، الدعوة الخالصة أساسها الاتباع ، أما الدعوة إلى الذات فأساسها الابتداع ، الدعوة الخالصة أساسها التعاون ، الدعوة إلى الذات أساسها التنافس ، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاعتراف بالآخر ، والدعوة إلى الذات أساسها إلغاء الآخر ، فأنت عندما تفتح عليك أبواب الدين الحقيقي ، فهم الدين العميق ، تجد نفسك أسعد الناس ، لا يوجد عندك قلق ، هناك قلق عام يا أخوان ، هناك قلق عام يصيب الناس جميعاً إذا لم يكونوا ملتزمين ، يقول : أنا حالتي لابأس بها الآن هل من الممكن أن أصاب بمرض مثلاً ، أي الله قال :
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة الآية : 51 ]
هذا من الله عز وجل ، فأنت يجب أن تشعر بالأمن ، والله قال :
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 81 ـ 82 ]
إذاً التأمين التعاوني الإسلامي قد يكون مبلغاً ضخماً فيقوم الناس بتعمير المساجد ، و المدارس بهذه المبالغ الطائلة ، وإذا أصيب أحد بمكروه يأخذ المبلغ بكامله ، تأمين تعاوني ، هذا التأمين التعاوني من أرقى ما يكون ، أعتقد يقيناً أنه لا يوجد شيء حرمه الله إلا و له بديل اسلامي مريح ، فلذلك لا بد من السعي في مناكب الأرض وفق منهج الله عز وجل .
أذكر قصة أن سائق تكسي بالشام وجد بسيارته كيساً أسود ، نحن نضع القمامة بكيس أسود ، والأموال الطائلة بكيس أسود ، فتحه فوجد كيساً فيه عشرون مليون ليرة ، سائق تكسي بالأجرة ، بحث عن صاحب هذا الكيس أربعة أيام إلى أن عثر عليه قال له : هذا المبلغ لك ، فسأله صاحب هذا المبلغ : أنت هل يوجد عندك سيارة ، قال له : لا والله ، فأخذه و اشترى له سيارة بمليوني ليرة ، هذه القصة ترفع الرأس .
لي صديق أقسم بالله أنه نسي بمطار اسطنبول حقيبة فيها ثمانمئة ألف ، وصل للبيت أين الحقيبة ؟ رجع فوجد أحدهم ينتظره ، قال : حتماً سيأتي يتفقدها .
إذاً الحياة بمجتمع الإيمان جميلة جداً و أنت عندما تعيش مع المؤمنين لا يوجد حقد ، ولا حسد ، ولا كراهة ، هناك محبة ، والأمور ميسرة ، فلذلك :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[سورة الأنفال الآية:33]
طلب العلم مسألة أساسية لنعيش براحة و أمان :
أخواننا الكرام ؛ إذا عملنا هكذا أي بالتعبير المعاصر ثورة على عاداتنا ، وتقاليدنا وتصوراتنا الغير صحيحة ، وهناك كلمات لا تقال ليس لها معنى إطلاقاً ، كلام هو انسحاب من الشأن العام ، فلما انسحبت بعض الدول من الشأن العام دفعوا ثمناً باهظاً ، فأنت يجب أن تتحرك وفق منهج الله .
فلابد من طلب العلم ، هذا ليس قضية ثانوية ، إذا لم تطلب العلم إذاً عندك مشكلة ، قد تقع بخطأ كبير مدمر وأنت لا تشعر ، من دخل الأسواق بلا فقه أكل الربا شاء أم أبى ، دون أن تشعر ، أخي أنا أعطي ربحاً ثابتاً ، و لا أدخل بمتاهة الحسابات هذا صار ربا ، أعطاك مليوناً يريد خمسة بالمئة في السنة ، إذا يريد ربحاً ثابتاً ، هذه فائدة ، أما إن كان هناك حساب فهناك ربح حقيقي و هذا لا شيء عليه .
أي هناك أشياء مريحة ، أما أن يقول لك : لا تدقق ، فما هذا الكلام ؟ قد تقع إذاً في الحرام.
ضرورة مراجعة عاداتنا و تقاليدنا لنعرف الخطأ من الصح :
أخواننا الكرام ، أحببت أن يكون هذا اللقاء مراجعة دقيقة لعاداتنا ، وتقاليدنا ، وتصوراتنا، وأعمالنا ، وعلاقتنا الاجتماعية ، وعلاقتنا المالية ، هذا رمضان صلح مع الله ، شهر العودة إلى الله ، شهر التوبة ، شهر القرآن ، شهر الإقبال على الله .
(( بُعداً لمرء أدرك رمضان فلم يغفر له . إذا لم يغفر له فيه فمتى ؟ ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن أنس بن مالك ]
جعل الله صيامنا مقبولاً إن شاء الله ، وأمورنا ميسرة ، و نسأل الله أن يعيد المهجرين إلى بلادهم ، و يجعل الأمور في العالم الإسلامي ميسرة ، لكن أنا أقول كلمة دقيقة جداً : ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة .
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى