خطبه الجمعة - الخطبة 0294 : خ1 - الوقت5- أسباب طول العمر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خطبه الجمعة - الخطبة 0294 : خ1 - الوقت5- أسباب طول العمر

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة فبراير 05, 2016 5:19 pm

طول العمر نعمة إذا استخدم في نصرة الحق :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوع الوقت ، وربما كان هذا الموضوع هو الموضوع الأخير ، وعلى كل فرمضان على الأبواب ، وسوف نبدأ الحديث عن هذا الشهر الكريم ، وعن هذا الموسم العظيم ، وعن هذه الفرصة الثانوية بدءاً من الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإنسان ، أي إنسان ، مفطور على حبّ الحياة ، بل يحب أن يطول في هذه الحياة عمره ، بل لو استطاع أن يخلد لخلد ، ولكن الشيء الذي يعنينا أن الدين نفسه يعد طول العمر نعمة إذا استخدم هذا العمر في نصرة الحق ، وعمل الخير ، لا يعنيننا ما يتمناه الإنسان ، يعنينا أن الدين بنصوصه الصريحة ، والصحيحة ، يبين أن طول عمر الإنسان ، وتوظيف هذا العمر في نصرة الحق ، وفي عمل الصالحات نعمة كبرى من النعم التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام . سئل عليه الصلاة والسلام : من خير الناس ؟ وفي رواية : أي الناس أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :
((من طال عمره وحسن عمله))
[الترمذي عن أبي بكرة ]
الحديث معروف ، أي الناس أفضل ؟ قال :
((من طال عمره وحسن عمله))
[الترمذي عن أبي بكرة ]
ولكن كيف يطول العمر والعمر محدود ؟ كيف يطيل الإنسان عمره وإن أجل الله عز وجل إذا جاء لا يؤخر ؟ كيف نوفق بين دعوة بعضنا لبعض بطول العمر ، وبين أن العمر مقصوم ومحدود لا يزيد ثانية واحدة ؟ وقد قال ذاك الشاعر :
حكم المنية في البرية جــــــــار ما هذه الدنيا بـــــــدار قرار
بينا يَرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
***
الإنسان بين لحظة وأختها ، بين غمضة عين وانتباهها ، في لمح البصر يصبح خبراً ، وقد لصقت نعوته على الجدران ، لذلك عقب الخطبة الأولى في كل خطبة من سنين طويلة نقول : واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، بين أن يرى الإنسان فيها مخبراً ، يتكلم ، يتفاصح ، يشير بيديه ، يغضب ، يحزن ، يرضى ، يزمجر ، إذا هو في لحظة واحدة خبراً لصقت تفصيلاته على ورقة ، وهذه الورقة لصقت على الجدران ، يؤكد هذا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح :
((عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[الشيرازي في الألقاب والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن سهل بن سعد]
العمر محدود و الأيام تمضي :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ تقدم الطب في هذه الأيام تقدماً مذهلاً ، ومع ذلك لم يستطع أن يحل مشكلة الموت ، العلم الذي أوصل الإنسان إلى القمر ، لم يستطع أن يحل مشكلة الموت ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح رواه الإمام البخاري يقول :
(( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ، إلا السام ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
هذا ليس له دواء ، إذاً العمر محدود ، والأيام تمضي ، وعقارب الزمن تسير ، ولا بد من وقفة بين يدي الله عز وجل ، يحاسب فيها الإنسان عن كل موقف ، عن كل وضع ، عن كل عطاء ، عن كل أخذ ، عن كل صلة ، عن كل منع ، عن كل مودة ، عن كل غضب، لا بد من أن يحاسب الإنسان ، كيف نوفق بين دعوة بعضنا لبعض بطول العمر وبين الآيات والأحاديث القطعية الدلالة التي تؤكد أن عمر الإنسان لا يتقدم ولا يتأخر ؟
العمر يطول بالتضحية و البذل و العمل الصالح :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ يزيد العمر بالعمل الصالح ، افتح دكاناً ، افتحها شهراً، وبع في هذا الشهر بثلاثين ألفًا ، وافتح دكان أخرى عشرة أيام ، وبع فيها بمئة ألف ، تجد أن محصول الدكان التي فتحت عشرة أيام ، وبعت فيها بمئة ألف المحصول أكبر من هذه التي فتحت ثلاثين يوماً ، وبعت فيها بثلاثين ألفًا .
إذا العمر يطول طولاً نسبياً لا زمنياً ، يطول في المضمون ، يطول في العمل الصالح ، يطول في العلم ، يطول في العمل ، يطول في التضحية ، يطول في البذل ، هكذا إذا دعا بعضنا لبعض بطول العمر ، فالمقصود أن يكون هذا العمر غنياً مفعماً بالعمل الصالح ، مفعماً بالخير ، مفعماً بالهدى ، مفعماً بالعلم ، مفعماً بما ينفع الناس .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإمام الشهير ابن عطاء الله السكندري يقول : رب عمر اتسعت آماده وقلّت أمداده .
الإمام الشافعي عاش قرابة خمسين عامًا ، ولم يزد عليها ، اسمه على كل لسان، ملأ علمه الأفاق ، ترك أثراً لا يمحى ، وكم من معمر عاش مئة وثلاثين عامًا ولا يعرف بين الناس له ذكر ، وليس له عمل ، إذاً قيمة الإنسان في الغنى ، غنى العمل الصالح ، ألم يقل سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى للفتاتين ، فقال :
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[ سورة القصص : 24 ]
ألم يقل الإمام علي كرم الله وجهه : " الغنى والفقر بعد العرض على الله ".
ويقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه المشهورة : رُبَّ عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده . فقير إلى العمل ، متصحر ، لا ينطوي على شيء ، عمر تافه ، طعام وشراب، ونوم ، ولهو ، وتفاخر ، وتكاثر ، من دون مغزى ، رب عمر اتسعت آماده ، وقلت أمداده ، ورب عمر قليلة آماده ، كثيرة أمداده ، ومن بورك له في عمره ، أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تلحقه الإشارة .
الدعوة إلى الهدى :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ الذي يطيل العمر بهذا المعنى الدقيق الذي تم شرحه آنفاً ما جاء في السنة المطهرة في هذا الموضوع ، ففي صحيح مسلم عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثاً يقول فيه :
((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ))
[مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
أنت تعمل عملاً صالحاً واحداً ، ولكنك إذا دعوت إلى هدى كل هؤلاء الذين استفادوا من هذا الهدى ، وعملوا أعمالا طيبة ، بتأثير هذا الهدى كلهم في صحيفتك ، فيبدو أن أعظم عمل أن تدعو إلى هدى ، لأن كل من تبع هذا الهدى ، وكل من استفاد من هذا الهدى ، وكل من طبق هذا الهدى ، وكل من سعد بهذا الهدى ، وكل من نشر هذا الهدى فأثر في الآخرين ، كل أولئك في صحيفتك ، لذلك ما من مسلم على وجه الأرض منذ أن دعا النبي إلى الله عز وجل وإلى قيام الساعة إلا كان ذلك في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام ، أخبرنا عن ذلك ، حيث قال :
((تعرض علي أعمالكم ))
[البزار عن عبد الله بن مسعود ]
هذا في الدعوة إلى الهدى .
مجاهدة النفس و الهوى :
وأما في مجاهدة النفس والهوى ففي صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :
((‏إن في الجنة مئة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه))
[البخاري عن أبي هريرة]
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[ سورة العنكبوت : 69 ]
الآية صريحة بأن معرفة الله تحتاج إلى جهاد ، جهاد النفس والهوى ، البحث عن الحقيقة ، تطبيق ما جاء في هذه الحقيقة ، الالتزام بأوامر الشرع ، كبح جماح النفس ، مخالفة النفس ، هذا كله يحتاج إلى جهاد .
((‏إن في الجنة مئة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض‏))
[ رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ]
روى الإمام الطبراني في المعجم الأوسط حديثًا رواه عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((‏ يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة‏ ))
[الإمام الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عباس]
((عدل ساعة - كما في بعض الروايات - أفضل من عبادة ستين سنة))
[ الأصبهاني عن أبي هريرة]
فإذا وضع الله الإنسانَ في عمل وتحت يديه أناس كثيرون ، جعله قيماً على مجموعة من الناس ، كان العدل فيهم ساعة يفوق عمل ستين عاماً :
((يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة‏ ))
[الإمام الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عباس]
لقطة رائعة من السنة المطهرة :
مرّ رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشعب - أي بوادي - فيه عين من ماء عذب ، ماء جارية صافية ، فقال هذا الصحابي : لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ، أتعبد الله - تصور أنه إذا جلس في هذا الشعب حيث الظل الظليل ، والماء البارد، وراحة البال ، والبعد عن القيل والقال ، والسؤال والجواب ، إن هذه الحياة تبدو رائعة ، أحياناً أحدنا يمر بمقصف جميل ، وفيه بناء لطيف ، مشرف على وادٍ جميل يقول : آه لو أكون في هذا البيت ، أبتعد عن الناس ، أبتعد عن هموم المجتمع ، وعن مشكلات البشر - فقال هذا الصحابي : لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب أتعبد الله ولن أفعل هذا حتى أستأذن رسول الله ، فلما استأذنه قال عليه الصلاة والسلام : لا تفعل ، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ ألا تحبون أن تدخلوا الجنة ؟ إذاً يجب أن تكون مع الناس ، من خالط الناس ، وصبر على أذاهم أفضل ممن أعتزلهم ولم يصبر على أذاهم ، عملك الصالح في المجتمع ، استقامتك ، حلمك ، توكلك ، بذلك ، عطاؤك، تواضعك ، هذا كله لا يبدو في الانعزال ، لا يبدو في التقوقع ، ليس الإسلام هروباً من المجتمع، ليس الإسلام هروباً من مشكلات الحياة ، إنه خوض في رمالها ، ماذا فعل الأنبياء ؟ إنهم عاشوا مع الناس ، عاشوا مشكلات الناس .
دليل على أن قيمة العمر ليست بطوله الزمني ولكن بغناه الفعلي :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ دليل آخر على أن قيمة العمر ليست بطوله الزمني ، ولكن بغناه الفعلي ، النبي عليه الصلاة والسلام لبث في قومه ثلاثة وعشرين عامًا ، أخرج الناس في هذه الأعوام القليلة من الظلمات إلى النور ، وغيّر وجه التاريخ البشري ، أقام ديناً جديداً ، وربى جيلاً فريداً ، وأنشأ أمة مثالية ، وأسس دولة عالمية ، رغم الصعوبات والعقبات ، في عمر يسير ، الأعمار إما أن تكون تافهة ، وإما أن تكون غنية .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قد يقول أحدكم : هذا رسول الله ، هذا نبي الله ، أيده الله بالمعجزات أوحى الله إليه ، أعطاه القرآن ، إن السنن التي طبقت على النبي عليه الصلاة والسلام هي السنن نفسها التي طبقت علينا ، واجه الصعوبات ، واجه إخراج قومه له من مكة، واجه العداء ، واجه تكالب قومه عليه ، واجه صد الحق ، كله واجهه ، وكأنه من بني البشر ، أما المعجزة التي جاء بها ، بل إن أعظم معجزاته فهي القرآن الكريم ، هكذا .
ما يرفع من قيمة العمل الصالح :
1 ـ اتساع دائرته :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما الذي يطيل العمر ؟ إنه العمل الصالح ، ولكن العمل الصالح إما أن تضيق دائرته ، وإما أن تتسع دائرته ، فمن اعتنى بأهل بيته فقط ، فهذا له عمل صالح ، لكنه محدود بهذه الزوجة ، من اعتنى بأهله وكان له أولاد وأولاده اتسعت هذه الدائرة ، كلما اتسعت دائرة العمل الصالح كلما ثمن هذا العمل الصالح ، ونال درجة أعلى عند الله عز وجل ، وكلما ارتفع مقام الإنسان عند الله اتسع عمله الصالح .
الإخلاصيه
2 ـ الإخلاص فيه :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا يكفي ذلك ، بل لابد من الإخلاص ، لأن الإخلاص هو الذي يثمن العمل ، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتواتر :
((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ))
[ متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
3 ـ وجود المعوقات :
أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء آخر : إن مما يرفع من قيمة العمل الصالح وجود المعوقات ، فإن أصحاب النبي الأوائل هم الذين آمنوا به حينما كفر به الناس ، وصدقوه حينما كذبه الناس ، وأعطوه حينما حرمه الناس ، لذلك النبي الكريم حينما خاطب السيدة خديجة قال : آمنت بي إذ كفر بي الناس ، صدقتني إذ كذبني الناس ، أعطتني إذ حرمني الناس ، فهؤلاء الذين يخوضون غمار الحق وهم فرادى ، والمجتمع من حولهم يقف في وجههم ، هؤلاء لهم أجر عند الله يفوق أضعاف بل آلاف المرات من الذين لا يفعلون الخير إلا إذا شاع ، ولا يهتدون إلى الهدى إلا إذ عمّ ، هؤلاء لهم أجر وهؤلاء لهم أجر ، والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الحديد : 10 ]
4 ـ أن يكون في زمن الفساد والفتن :
هناك شيء آخر ؛ الذي يرفع قيمة العمل الصالح ، حجمه ، اتساع دائرته ، والإخلاص ، وشيء ثالث هو كثرة المعوقات في سبيله ، ويرفع من قيمة هذا العمل الصالح أن يكون هذا العمل الصالح في زمن الفساد والفتن ، حينما تفسد المجتمعات ، وتضطرب الأحوال ، ويتجبر الأقوياء ، ويترف الأغنياء ، ويداهن العلماء ، وتشيع الفاحشة ، ويظهر المنكر ، ويختفي المعروف ، أي حينما تظهر الفتن فللعمل الصالح وقتها أجر كبير كبير ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم والترمذي :
((عبادة في الهرج والفتنة كهجرة إلي‏))
[ مسلم عن معقل بن يسار ]
أيها الأخوة المؤمنون ؛ ‏عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ، قَالَ :
(( أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخشَنِيَّ قَالَ : قُلْتُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هذِهِ الآية ؟ - نحن أمام آية في كتاب الله - قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قَلْتُ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُركُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَ اهْتَدَيْتُمْ "- من بعض تفسيرات هذه الآية "عليكم أنفسكم " أي طهروا أنفسكم ، ألزموا أنفسكم طريق الاستقامة ، ألزموها العمل الصالح ، ألزموها الإخلاص ، عرفوها بربها ، هذا من معاني هذه الآية ، فإن لم تفعلوا ، عندئذ يضركم من ضلّ ، يجعل الله علاجكم على يدي هؤلاء الضلال ، هذا من معاني هذه الآية ، والقرآن حمال الأوجه ، يعنينا ما جاء في هذه الآية في السنة النبوية - قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُركُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَ اهْتَدَيْتُمْ " قَالَ : سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيراً ، سَأَلْتُ عَنْها رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ :
))
بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عــَنِ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحّاً مُطَاعاً ـ شح مطاع من قبل جميع الناس ـ وَهَوىً مُتَّبَعاً ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ـ الدنيا هي كل شيء ـ وَإعْجَابَ كَلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، وَرَأَيْتَ أَمْراً لاَ يَدَانِ لَكَ به - لا تستطيع دفعه ، ولا جلبه ، أنت عاجز- فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ - خاصة نفسك أهلك ، أولادك ، أقرباؤك ، من حولك - فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ علَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ ، لَلْعَامـِلِ فِيهِنَّ مِثْل أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ ـ فقلنا يا رسول الله منا أو منهم ؟ قال : بل منكم))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]
هؤلاء الذين يأتون في آخر الزمان ، ويواجهون الصعوبات ، أجرهم كأجر خمسين منكم ، قالوا ولمَ ؟ قال :لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون .
أشياء ثلاثة تطيل العمر :
أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء آخر يطيل العمر : يطول عمرك وأنت في الدنيا بكثرة العمل الصالح ، يطول عمرك وأنت حي بكثرة العمل الصالح ، ويطول العمر وأنت ميت ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، فيما رواه الإمام مسلم ‏عن أبي هريرة ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
((‏إذا مات ابن آدم انقطع إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له‏))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
هذا عمر ثان ، إذاً الموضوع موضوعان ، كيف يطول العمر وأنت حي ؟ وكيف يكتب لك عمر ثان بعد الحياة ؟ هذه الأشياء الثلاثة مما تطيل العمر . ورد في بعض الأحاديث الشريفة ومن هذه الأحاديث ما رواه ابن ماجه حيث يقول عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره ، وولداً صالحا تركه ، أو مصحفاً ورثه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن سبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته‏))
[ ابن ماجه عن أبي هريرة]
هذا كله يجعل للمؤمن عمراً آخر بعد موته ، والحديث الشهير الذي تعرفونه جميعاً ، والذي رواه الإمام مسلم :
((‏من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ))
[مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي]
أي عمل طيـب وفق الشرع نفع المسلمين ، لك أجره وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، كتاب الله عز وجل ينطق بالحق ، قال :
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
[ سورة يس : 12]
آثار هذا العمل ، آثار هذا المسجد ، آثار هذا الكتاب الذي ألفته تدعو به إلى الحق ، آثار هذه المدرسة التي أسستها ، آثار هذا الميتم الذي أقمته ، آثار هذا الدعوة إلى الله، التي دعوت إليها ، آثار هذه الأسرة الصالحة التي ربيتها ، آثار هذا الطريق الذي شققته .
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
[ سورة يس : 12]
﴿الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾
[ سورة القيامة : 13]
حمل بعضهم كلمة أخر على أن العمل الصالح له أثر بعد ممات الإنسان :
دقات قلب المرء قائلة لـــــــــــــه إن الحياة دقائق وثـــــــوانٍ
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
***
الويل لمن مات و ترك عملاً ضالاً يضلّ الآخرين :
الآن ما يقابل هذا الشيء الخطير ‏ :
((ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))
[مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي]
من ترك فكرة ضالة ، من ترك سنة ضالة ، من ترك عملاً ضالاً ، من ترك أذًى مستمراً ، لذلك قال بعض الصالحين : طوبى لمن مات ، وماتت معه ذنوبه ، والويل لمن يموت وذنوبه باقية بعده ، أسس ملهى ومات ، كل معصية في هذا الملهى إلى أن يهدم هذا الملهى في صحيفته ، ويعذب بها ، طوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه ، والويل لمن يموت وذنوبه باقية بعد موته ، أي من ترك فكراً ضالاً ، أو عملاً ضالاً ، أو سنة ضالة ، أو عملاً مستمراً له أذى للمسلمين ، لم ينقطع به عمله الطالح ، عمله الطالح مستمر ، هذا شيء خطير جداً ، أن يدع الإنسان ظلامة في عنقه ، أن يدع شيئاً سنه وهو باطل ، أن يدع ضلالة كما أن الحسنة إذا استمرت استمر أجرها ، كذلك الضلالة إذا استمرت استمر وزرها ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((‏كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار))
[ النسائي عن جابر ومسلم وأحمد والبيهقي ]
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الاستعداد لرمضان :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ رمضان على الأبواب ، والإنسان إلى أن يأخذ السرعة المثالية في سيره إلى الله عز وجل لابد من فتره يعد نفسه لبلوغ هذه السرعة ، وكأن شعبان هذا الشهر الفضيل يعد الإنسان نفسه لرمضان .
هذه الفرصة السنوية ، هذه العبادة الخالصة لوجه الله عز وجل ، فكلما أعددنا أنفسنا في هذه الأيام المتبقية من شعبان ، وبدأنا رمضان بدءاً صحياً ، بصيامه الصحيح ، صيام الفم عن الطعام والشراب ، وصيام الفواحش عن الفواحش والآثام ، وصيام القلب عما سوى الله ، كلما أعددنا أنفسنا ضمنا أن يكون الصيام صحيحاً في أيامه الثلاثين ، يقاس على هذا أن الإنسان يصلي قبل الفرض أربع ركعات تهيئة له لصلاة الفرض ، وقد يصلي بعده أربعًا ترميماً لمَا فاته من الفرض ، كذلك رمضان ، يجب أن نحتاط له قبل مجيئه ، بالتوبة النصوح ، وإصلاح ما فسد ، وإنهاء العلاقات المشوشة لذهن الإنسان ، وبتفرغ النفس لعبادة الله عز وجل، هذا كلـه إن شاء الله تعالى يكون قبل رمضان ، ليكون رمضان بداية توبة نصوح ، وبداية عملٍ طيب ، وبداية عبادة مخلصة ، والله المستعان .
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .
والحمد لله رب العالمين

Admin
Admin

عدد المساهمات : 715
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى