خطبه الجمعة - الخطبة 0292 : خ1 - الوقت3- حديث القرآن والسنة عن الوقت ، خ2 - معنى عميق.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خطبه الجمعة - الخطبة 0292 : خ1 - الوقت3- حديث القرآن والسنة عن الوقت ، خ2 - معنى عميق.

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة فبراير 05, 2016 5:24 pm

الزمن شيء مصيري في حياة الإنسان :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ نعود إلى موضوع الوقت ، والوقت أخطر شيء في حياة الإنسان لأن الإنسان هو وقت ، بضعة أيام ، كلما انقضى منه يوم انقضى بضع منه .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ينبغي للمؤمن الصادق الحق أن يشعر بقيمة الوقت ، يجب أن يشعر بقيمته حتى يغتنمه ، لن يغتنمه إلا إذا شعر بقيمته ، الله سبحانه وتعالى يقسم ويقول :
﴿وَالْعَصْرِ﴾
[ سورة العصر : 1 ]
قال بعض علماء التفسير : العصر مطلق الزمن ، لأن الزمن شيء مصيري في حياة الإنسان ، فينبغي للمؤمن أن يشعر بقيمة الوقت ، حتى يستطيع أن يملأ هذا الوقت بالخير، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
((خيركم من طال عمره - فيه إشارة إلى طول الوقت- وحسن عمله ))
[الترمذي في السنن عن أبي بكرة]
بالمقابل هناك من لا يشعر بقيمة الوقت ، لا يعرف له قيمة ، يستهلكه استهلاكاً رخيصاً ، يسوف ، يؤجل ، يباعد ، يعجز ، يتكاسل ، فالعجز ، والكسل ، والتسويف ، هذا من صفات غير المؤمن ، الذي لا يعرف قيمة الوقت ، والذي يستهلكه استهلاكاً رخيصاً .
بماذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام ، دعا دعاءً فيه إشارة دقيقة إلى قيمة الوقت ، قال : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل . العجز والكسل ، يمضي الوقت بلا فائدة ، بلا جدوى ، في كلام فارغ ، في مزاح رخيص ، في مناقشات عقيمة ، في عمل لا يرضي الله ، في عمل لا يعود عليه بالخير ، لا في دنيـاه ، ولا في أخراه ، هذا الذي يستهلك الوقت لا يعرف قيمته ، وإذا عرف الإنسان نفسه عرف لماذا هو في هذه الدنيا ، وعرف قيمة الوقت فاغتنم هذا الوقت .
المؤمن العاقل ينظم وقته :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لو أن واحدًا منا في سفر ، وهناك موعد محدد دقيقٌ دقيق لإقلاع الطائرة ، وعنده قائمة من الحاجات لابد من أن ينجزها ، لماذا تجده يسرع في إنجازها ؟ لماذا تجده لا يصرف وقتاً تافهاً ؟ لماذا يعرض عن كل لغو ؟ عن كل سفسفة ؟ عن كل عمل لا شأن له ؟ إذا كنت في سفر ، وإقلاع الطائرة له وقت محدد لا يزيد ولا يتأخر ، وعندك قائمة من الأعمال راقب نفسك كيف تستهلك الوقت ، ترسم خطة ، تضع هذه الفقرة قبل هذه الفقرة ، من أجل أن تنجز كل هذه الأعمال في هذا الوقت المحدد ، إذا كنت في سفر، وإذا كان إقلاع الطائرة على موعد دقيق ، وإذا كانت أمامك جملة أعمال لابد من إنجازها ، هكذا ينبغي للمؤمن أن يكون في الدنيا ، إذا كنت في امتحان ، وهذا الامتحان له وقت محدود، والأسئلة كثيرة ، هل تستهلك الوقت في شيء لا علاقة له بالامتحان ؟ إطلاقاً . المؤمن العاقل هو الذي ينظم وقته ، ويستهلكه كما لو كان في امتحان ، أو كما لو كان في سفر ، وموعد إقلاع الطائرة لا يتبدل ، أما إذا كان الإنسان في بيته ، ومع أهله ، فقد يرجئ إنجاز عمل سنوات وسنوات ، لماذا ؟ لأن الوقت لا قيمة له ، وهو مقيم في بلده ، أقول : هذه أنجزها غداً ، أو بعد غدٍ ، أو بعد شهرٍ ، أو في الصيف المقبل ، أو في الشتاء المقبل ، إذا كنـت مقيماً في بلد لا تشعر بقيمة الوقت ، إذا كنت مسافراً وهناك أعمال ضخمة لابد من إنجازها عندئذ تشعر بقيمة الوقت .
إشارات في القرآن الكريم إلى الوقت و اغتنامه :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ سؤال دقيق : هل في القرآن الكريم إشارات إلى الوقت وإلى اغتنامه ؟ لا شك ، لكن من أولى هذه الآيات قوله تعالى :
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾
[ سورة البقرة : 148 ]
هو ، هذه الآية أصل في حرية الاختيار ، لكل منكم يا عبادي وجهة ، هو تعود عليه ، هو موليها ، لك أن تذهب يميناً أو شمالاً ، لك أن تذهب إلى المسجد أو إلى الحانة ، لك أن تصلي أو لا تصلي ، لك أن تأكل مالاً بالمعروف أو بغير معروف ، لك أن تطلق بصرك في الحرام أو أن تغض بصرك :
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾
[ سورة البقرة : 148 ]
لك أن تقف إلى جانب الحق ، أو إلى جانب الباطل ، لك أن تفعل شيئاً يرضي الله ، أو لا يرضي الله ، لك أن تقف هذا الموقف ، لك أن تعطي ، لك أن تمنع ، لك أن تصل، لك أن تقطع ، هذا لك ، هذا هو الكسب .
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
[ سورة البقرة : 286 ]
المبادرة إلى استباق الخيرات :
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾
[ سورة البقرة : 148 ]
ما الذي جاء بعد هذه الآية ؟ جاء قوله تعالى :
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
أي هذه الوجهة التي يملكها الإنسان ، هذا الاختيار الذي ملكه الله إياه ، هذه الحرية في أن يفعل أو لا يفعل ، التي منحه الله إياها ، إنما هي مؤقتة ، إنما هي تنتهي بانتهاء الأجل ، لذلك :
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
ما دامت هذه الحرية التي تكسب بها العمل الصالح ، هذه الحرية التي يثمن بها عملك ، هذا الاختيار الذي يكسبك رضوان الله ، هذا ليس معك إلى الأبد ، هذا مؤقت، هذا الاختيار ينتهي بالموت ، ينتهي بانتهاء الأجل ، ينتهي بالانتقال إلى الدار الآخرة ، ما دام هذا الاختيار ينتهي
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
وفي قوله تعالى :
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
إشارة إلى قيمة الوقت ، والدليل :
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
هذا هو الموت ، إن كنت في بلدك ، أو كنت مسافراً ، إن كنت في صحة تامة ، أو كنت في مرض ، أو كنت في بحبوحة ، أو كنت في فقر ، كنت شرقاً أو غرباً ، شمالاً أو جنوباً ، في عملك ، في نزهتك ، في بيتك ،
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
هذه الآية أيها الأخوة فيها ثلاث إشارات ، إشارة إلى أن الإنسان مخير ، وأن هذا الاختيار هو الذي يثمن عملك ، وإشارة إلى أن الوقت ضيق جداً ، فبادروا في استباق الخيرات ، وإلى أن الموت حق ، ما من مخلوق إلا وسوف يموت ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .
الليل مهما طـال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبـر
***
آيات أخرى تشير إلى قيمة الوقت :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ آية ثانية تشير إلى قيمة الوقت :
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[ سورة آل عمران : 133 ]
سَارِعُوا ، المسارعة تعني أن هناك وقتًا محدودًا ، لابد من أن تفعل فيه الشيء الكثير ، فإذا استهلكته استهلاكاً رخيصاً ، ضاع عليك خير كثير .
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[ سورة آل عمران : 133-134]
آية ثالثة يصف الله بها الأنبياء صلوات الله عليهم :
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
[ سورة الأنبياء : 90 ]
تبديد الوقت و إضاعته من قِبل المنافقين :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أما المنافقون فهم يبددون الوقت ، يستهلكونه ، يضيعونه ، يتلفونه ، لا يعرفون قيمته ، وصف الله عز وجل فقال :
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[ سورة النساء : 142 ]
في آية ثانية :
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾
[ سورة التوبة : 54 ]
النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقال : حديث حسن ، قال عليه الصلاة والسلام :
((بادروا بالأعمال الصالحة))
[الترمذي عن أبي هريرة ]
بادروا ، تسابقوا ، تنافسوا ، انطلقوا .
((فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟))
[الترمذي عن أبي هريرة ]
هذه الدنيا ماذا فيها ؟ لو أن الإنسان ترك العمل الصالح ، لو أنه كفر بالآخرة ، لو أنه قال : الدنيا هي كل شيء ، ولا شيء بعد الدنيا ، كما يفعل عامة أهل الغرب ، الدنيا هي كل شيء ، هي الجنة والنار ، قال :
((بادروا بالأعمال الصالحة ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟))
[الترمذي عن أبي هريرة ]
توضيح مضي الوقت :
ماذا يعني مضي الوقت ؟ ماذا يعني مضي الزمن ؟ ماذا يعني أن تودع عاماً وتستقبل عاماً ؟ أن تودع أسبوعاً وتستقبل أسبوعاً ؟ ماذا يعني أن تودع الصيف وتستقبل الشتاء؟ ماذا يعني أن تودع الشتاء وتستقبل الربيع ؟ ماذا يعني مضي الوقت ؟ ماذا يعني ؟ ماذا يخبئ الوقت للمعرض ؟ ماذا يخبئ للكافر ؟ ماذا يخبئ لمن أعرض عن الآخرة ؟ ماذا يخبئ الوقت لمن جعل القرآن وراء ظهره ؟ ماذا يخبئ الوقت لمن قال : إن الدين وهم وخرافة ؟ ماذا يخبئ الوقت لمن قال : الإنسان هو سيد قدره ؟ ماذا يخبئ الوقت لمن قال : الدنيا هي كل شيء؟ ماذا يخبئ الوقت له ؟ قال :
((بادروا بالأعمال الصالحة ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا))
[الترمذي عن أبي هريرة ]
ماذا ينتظر أحدكم :
((هل تنتظرون إلا غنى مطغياً))
مال وفير وعلم هزيل ، هذا المال الوفير مع العلم الهزيل يطغي ، يحمل صاحبه على الطغيان ، على المعصية والعدوان ، يحمله على أكل أموال الناس بالباطل ، يحمله على الكبر ، يحمله عن البعد عن الله عز وجل ، يحمله على أن يستغني عن الله عز وجل .
((ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ، هل تنتظرون إلا غنى مطغياً ، أو فقراً منسياً))
[الترمذي عن أبي هريرة ]
فقر مدقع ينسيك كل شيء ، حاجة ماسة إلى الدرهم ، لا تجد في جيبك قوت يومك ، ماذا يخبئ الوقت لمن ترك الدين ؟ لمن ترك الإيمان بالله ؟ لمن ترك الآخرة ؟ لمن ترك منهج ربه ماذا يخبئ له الوقت ؟
((هل تنتظرون إلا غنى مطغياً ، أو فقراً منسياً ، أو مرضاً مفسداً ))
مرض عضال ، يصيب أجهزة في الإنسان حساسة ، تصبح الحياة جحيماً ، ماذا يخبئ الوقت للمعرضين ؟
((أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ))
شيخوخة سماها القرآن الكريم أرذل العمر ، تضعف ذاكرته ويثقل ظله ، ويعيد الحديث آلاف المرات ، ويصبح حشرياً ، يحشر أنفه في كل شيء ، يتمنى الناس موته .
((أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ))
يأتي الموت بغتة ، وهو بين أهله وأولاده ، وهو في قمة نشوته ، وهو في قمة سعادته المزعومة ، يأتيه الموت ليأخذ منه كل شيء ، وليأخذه إلى لا شيء ، ماذا ينتظر أحدنا من الدنيا ؟ إن لم يستقم على أمر الله ، إن لم يعمل الصالحات ، إن لم يقم أمر الله في بيته ، إن لم يؤدِ زكاة ماله ، إن لم يغض بصره عن محارم الله ، إن لم يحرر دخله ، إن لم يربِّ أولاده، إن لم يحجب زوجته ، ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ماذا يخبئ الوقت ؟ ماذا يخبئ مضي الوقت ؟ ماذا يعني مضي الليالي والأيام ؟
((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشر غائب ينتظر ، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ))
هل بعد هذا الحديث الحسن الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هل بعد هذا الحديث من حديث يوضح قيمة الوقت ؟
أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال عليه الصلاة والسلام :
((من خاف أدلج ))
معنى أدلج أي سار في أول الليل ، إذا خاف المرء ظلمة الليل ، ووحشة الليل ، والسباع في الليل ، والضياع في الليل ، أدلج .
((من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة اللَّه غالية ، ألا إن سلعة اللَّه الجنة ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
هذا الحديث أيضاً يشير إلى قيمة الوقت .
الليل والنهار يبليان كل جديد :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الليل والنهار يبليان كل جديد ، المنزل الجديد الذي تسكنه أول مرة خرج منه الدهان لتوه ، وخرج منه الذي زينه لتوه ، وفرش بالأثاث الفخم ، الليل والنهار يبليان كل جديد ، هذا الزواج في أوله ، يظن الزوج أنه سيغمر بالسعادة ، الليل والنهار يبليان كل جديد ، هذه المركبة التي يركبها يظن أنها ستغمره بالسعادة ، الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، قد يقول قائل : أنا عمري صغير ، أين الموت مني ؟ ويقربان كل بعيد ، أيام وسنوات تمضي فإذا هو في الأربعين ، هو في الخمسين ، هو في الستين ، وإذا بنعيه يوضع على الجدران ، الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويطويان الأعمار ، ويرشدان الصغار ، ويفنيان الكبار ، لذلك في القرآن الكريم إشارة إلى مضي الليل والنهار ، قال تعالى :
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[ سورة آل عمران : 190 ]
الاختلاف له معنيان ، إما تفاوت الليل والنهار في الطول والقصر والإضاءة والظلمة ، أو أن الاختلاف أن يأتي الليل بعد النهار والنهار بعد الليل ، وهكذا دواليك ، حتى تقوم الساعة .
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[ سورة آل عمران : 190 ]
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أرض تحيا ، حبة تنبت ، نبات يزهر ، زهر يثمر ، ثمر يقطـف ، زرع يصبح هشيماً تذروه الرياح ، أليس هذا يعني مضي الوقت ؟ جنين يتكون ، طفل يولد ، وليد يشب ، شاب يكتهل ، كهل يشيخ ، شيخ يموت ، أليس معنى هذا أن الوقت يمر سريعاً ؟ يسر وعسر ، الوقت يكفي ليبدل العسر يسراً ، واليسر عسراً ، كل حال يزول ، والوقت يكفي ليبدل الغنى فقراً ، والفقر غنًى ، والصحة سقماً ، والسقم صحةً ، والسرور حزناً ، والحزن سروراً ، والشدة رخاءً ، والرخاء شدةً ، والسراء ضراء ، والضراء سراء ، الوقت يبدل .
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[ سورة آل عمران : 140]
هذا أيضاً يشعر بمضي الزمن .
تنظيم الوقت من ثمار معرفة قيمته :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ آية ثانية تشير إلى قيمة الوقت :
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[ سورة النور : 44 ]
أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا اعتبرت بمضي الوقت ، وإذا عرفت قيمة الوقت ، وإذا أدركت خطورة الوقت ، وإذا أيقنت أنك وقت ، وأن هذا الوقت محدد ، مؤقت ، إذا أدركت كل ذلك ، لا بد من أن تنظم وقتك ، لا بد من وقت لله تعالى تتعرف إليه ، يتمثل هذا في حضور مجالس العلم ، في معرفة تفسير كتابه الكريم ، في معرفة تفسير سنته الشريفة ، سنة النبي عليه الصلاة والسلام في معرفة سير الصحابة والتابعين ، لا بد من وقت تعرف فيه منهجك ، ومنهجك التطبيق وهو السنة النبوية ، لا بد من وقت تكسب فيه رزقك ، لا بد من وقت تؤدي فيه واجبك تجاه أهلك ، لا بد من وقت تمضي فيه حوائجك ، العاقل لا يسمح لفقرة من هذه الفقرات أن تطغى على أختها ، كما لا يسمح لك الشرع الحنيف أن تنمي جهة على حساب جهة، قال النبي عليه الصلاة والسلام :
((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يصيب منهما جميعاً ، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ، ولا تكونوا كلاً على الناس))
[رواه ابن عساكر والديلمي عن أنس بهذا اللفظ]
لا بد من وقت تعرف فيه ربك ، تعرف فيه المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ، لابد من تأمل في الكون حتى تعرفه ، ولابد من أن تعرف الشرع حتى تعبده ، إذاً هذا الوقت الذي تقتطعه من زبدة وقتك لمعرفة الله هو أهم أوقات حياتك ، إذا صحّ هذا الوقت وصح ما فيه صحت حياتك ، ولا بد من أن تكسب رزقك ، لا بد من أن تكون يدك هي العليا ، لا بد من أن تكون محسناً ، لا بد من أن تكفي أهلك وأولادك ، لذلك لابد من وقت تكسب فيه رزقك ، ولكن الوقت الذي تكسب فيه رزقك يمكن أن يكون وقت عبادة ، إذا كانت حرفتك مشروعة في الأصل، ومارستها بطريقة مشروعة ، وابتغيت بها وجه الله ، وخدمة المسلمين ، وكفاية نفسك ، ولم تلهك هذه الحرفة عن طاعة الله ، ولا عن أداء واجباتك الدينية ، إذا كانت كذلك انقلبت هذه الحرفة عبادة ، هذا الوقت الثاني ، ولا بد من وقت تهتم فيه بأهلك وأولادك ، لأن لأهلك عليك حقاً ، ولا بد من وقت تقضي بها حوائجك الخاصة هذا التنظيم من ثمار معرفة قيمة الوقت .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مما رواه النبي عليه الصلاة والسلام عن صحف إبراهيم أنه قد جاء فيها : " ينبغي للعاقل ما لم يكن مغلوباً على أمره ، أن يكون له أربع ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيه بصنع الله عز وجل ، وساعة يخلو بها لحاجاته من المطعم والمشرب " .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أصحاب الأعمال الضاغطة ، أصحاب المسؤوليات الكبرى ، الذين ينجحون في الحياة هم أشدّ الناس حاجة لتنظيم الوقت ، لأن نجاحهم في الحياة قد يجعل جانباً من حياتهم يطغى على جانبٍ آخر ، ينجحون في الدنيا ، ويضيعون الآخرة ، ينجحون في علاقاتهم العامة ، ويضحون بعلاقاتهم الخاصة ، ينجحون في كسب المال ويخفقون في كسب رضوان الله عز وجل ، هؤلاء المثقلون بالأعمال ، هؤلاء الذين تزاحمت عليهم الحاجات ، هؤلاء أحوج الناس إلى تنظيم الوقت .
إعطاء كلّ ذي حق حقه لمتابعة الطريق بهمة و نشاط :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيء خطير في موضوع الوقت هو أنك إذا عرفت لماذا أنت في الدنيا ، وما أفضل شيء تفعله في الدنيا ، هذه المعرفة تجعلك تقيم كل شيء في ضوء هذه الحقيقة ، تعرف هذا الشيء ، علاقته بهدفك ، علاقته بالدنيا ، علاقته بالآخرة ، علاقته بالأهداف المشروعة ، علاقته بالمصالح الحقيقية ، هذا الشيء يجعلك أقرب إلى الله ، تفعله ، هذا يبعدك عن الله ، تتجنبه ، إذا عرفت لماذا أنت في الدنيا عندئذ تستطيع أن تقوم كل شيء في حياتك .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ نقل عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال : " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلت عميت " أي إذا كنت في صحراء ، والطريق طويلة ، والحر شديد ، والرمال لافحة ، والماء قليل ، لابد من واحة من حين إلى آخر ، تستريح بها ، لتستعيد النشاط على السير الجديد ، روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلت عميت . النبي عليه الصلاة والسلام كان يتخول أصحابه بالموعظة ، وكان يمزح مع أصحابه ، ولا يمزح إلا حقاً ، وكان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً كان يقول : " أكرموا النساء ، فإنهن المؤنسات الغاليات " فشيء من المرح ، وشيء من الطلاقة ، وشيء من اللهو البريء الذي يرضي الله عز وجل ، هذا يعينك على متابعة الطريق بهمة ونشاط .
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :
((يا أيها الناس ‏خذوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل))
[البخاري عن ‏عائشة رضي الله عنها‏]
وفي حديث آخر :
((‏إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ))
[البخاري والنسائي عن أبي هريرة]
أيها الأخوة الأكارم ؛ إن لبدنك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه ، وفي ختام هذا الموضوع يقول عليه الصلاة والسلام :
((إنما أنا أخشاكم لله وأتقاكم ، ولكني أنام وأقوم ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، هذه سنتي ، فمن رغب عنها فليس من أمتي ))
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
حكمة القرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ في القرآن الكريم إشارات تلفت النظر قال تعالى :
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾
[ سورة الحج : 27 ]
الآية عميق ، قد يسأل سائل : لم لم يقل الله عز وجل : وعلى كل ضامر يأتين من كل فج بعيد ؟ لما قال :
﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾
[ سورة الحج : 27 ]
ولم يقل : من كل فج بعيد ، قال العلماء : إن في هذه الكلمة ، كلمة عميق مكان كلمة بعيد إشارة إلى كروية الأرض ، فالخطوط على سطح الأرض ليست مستقيمة ، إنها منحنية، والخط المنحني يحتاج إلى بعد ثالث ، يحتاج إلى سطح وإلى عمق ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية أشار إلى أن هذه الأرض التي نحن عليها هي أرض كروية الشكل ، ولكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن حكمة القرآن الكريم وفقت بين معطيات العصر الذي أنزل فيه القرآن وبين معطيات العصور .
والحمد لله رب العالمين
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 751
تاريخ التسجيل : 29/03/2014
الموقع : gmail.forumaroc.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gmail.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى